بن عيسى باطاهر

108

المقابلة في القرآن الكريم

على خصائص الألوهية حيث أنهم حلّلوا ما حرّمه اللّه ، وحرموا ما أحله اللّه . و « كانت العرب ورثت عن ملة إبراهيم وإسماعيل تحريم القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحج وطرقه . . كما ورثوا مناسك الحج ، ولمّا طال عليهم الأمد غيّروا وبدّلوا في المناسك ، وفي تحريم الأشهر الحرم ، ولا سيّما شهر المحرّم منها فإنه كان يشقّ عليهم ترك القتال وشنّ الغارات ثلاثة أشهر متوالية ، فأول ما بدّلوا في ذلك إحلال الشهر المحرّم بالتأويل ، وهو أن ينسئوا تحريمه إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم أربعة كما كانت ، وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم معا ، وكان لهم في ذلك نظام متبع بأن يقوم رجل من كنانة يسمى « القلمس » في أيام « منى » حيث يجتمع الحجيج العام فيقول : أنا الذي لا أحاب ، ولا أعاب ، ولا يردّ قولي ، وفي رواية أنّه يقول : أنا الذي لا يردّ لي قضاء ، فيقولون : صدقت فأخر عنّا حرمة المحرم واجعلها في صفر فيحلّ لهم المحرم ، وبذلك يجعل الشهر الحرام حلالا ، ثم صاروا ينسئون غير المحرّم ويسمون النسيء باسم الأصل فتتغير أسماء الشهور كلها ، وأما قتالهم نفسه فقد كان كلّه حراما وبغيا وعدوانا وثأرا » « 1 » . كانت هذه حال المشركين في الجاهلية ، « فجاءت النصوص تبطل النسيء ، وتبيّن مخالفته ابتداء لدين اللّه الذي يجعل التحليل والتحريم ( والتشريع كله ) حقا خالصا للّه ، وتجعل مزاولته من البشر - بغير ما أذن اللّه - كفرا ، بل زيادة في الكفر . . وفي الوقت ذاته تقرّر أصلا من أصول العقيدة الأساسية وهو قصر حقّ التشريع في الحلّ والحرمة على اللّه وحده ، وتربط هذه الحقيقة بالحق الأصيل في بناء الكون كله ، يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، فتشريعه للناس إنما هو فرع عن تشريعه للكون كلّه بما فيه هؤلاء الناس ، والحيدة عنه مخالفة لأصل تكوين هذا الكون وبنائه ، فهو زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا » « 2 » .

--> ( 1 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 417 . ( 2 ) سيد قطب - في ظلال القرآن - ج 3 - ص 1651 .