السيد محمد علي ايازي

84

المفسرون حياتهم و منهجهم

وهنا يمكن أن يثار هذا السؤال وهو أننا نعرف بأنّ القرآن الكريم تناول هذا الموضوع بشكل أوسع في مثل قوله تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً « 1 » وقوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا « 2 » وغير ذلك من الآيات الكثيرة . كما أنّ السنة النبوية الثابتة لدى المسلمين جميعا أكدت ذلك أيضا خصوصا في مجال تفسير القرآن ، حيث ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه : « من فسر القرآن برأيه فقد كفر . . . » « 3 » فما هو السبب في هذا التأكيد الواسع لأهل البيت على هذا الموضوع ؟ وهل هو مجرد انسجام مع القرآن الكريم والسنة النبوية أو أنّ الأوضاع التي كان يعيشها المسلمون تقتضي هذا التأكيد ؟ . والذي يبدو من خلال مراجعة التاريخ الاسلامي وخصوصا تاريخ تطور « علم الحديث » من ناحية ، والظروف التي مرّ بها العالم الاسلامي في الصدر الأول للاسلام من ناحية أخرى ، والنصوص الكثيرة التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام ، أنّ هناك مجموعة من القضايا والمشاكل والظواهر شهدتها الأمة الاسلامية أدت إلى هذه الإثارات والتأكيدات من قبل مدرسة أهل البيت . فأولا : المنع الذي فرضه الخليفة الثاني عمر على تدوين الحديث والذي استمر إلى عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز . فإنّ هذا المنع - مع قطع النظر عن تفسير خلفياته وأسبابه - أدى بطبيعة الحال إلى ضياع الكثير من السنة النبوية أو عدم ضبطها بشكل مناسب ، الأمر الذي فتح الباب واسعا أمام حركة « الرأي » و « الظن » و « الاجتهاد » للوصول إلى الحكم الشرعي .

--> ( 1 ) سورة يونس / 36 . ( 2 ) الاسراء / 36 . ( 3 ) كذلك في الحديث المروي عن النبي ( ص ) ، قال اللّه جلّ جلاله : « ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي » . بحار الأنوار ، ج 89 / 107 ، وفي حديث آخر عن أبي عبد اللّه ( ع ) : « من فسر آية من كتاب اللّه فقد كفر » . نفس المصدر / 111 .