السيد محمد علي ايازي
69
المفسرون حياتهم و منهجهم
لمفرداتها وأساليبها في التعبير ، وفنونها في القول ، وإنّما يعني فهمه للّغة بقدر الذي يدخل في حياته الاعتيادية . ومن ناحية أخرى ، لا يتوقف فهم الكلام واستيعابه على المعلومات اللغوية فحسب ، بل يتوقف إضافة إلى ذلك على استعداد فكري خاص ، وتمرن عقلي يتناسب مع مستوى الكلام ، ونوع المعاني التي سيق لبيانها ، وإذا كان العرب وقتئذ يعيشون حياة جاهلية من القاعدة إلى القمة ، فمن الطبيعي أن لا يتيسر لهم حين الدخول في الاسلام - بصورة تلقائية - الارتفاع ذهنيا وروحيا إلى المستوى الذي يتيح لهم استيعاب مدلولات اللفظ القرآني ، ومعاني الكتاب الكريم الذي جاء ليهدم الحياة الجاهلية ، ويقوّض أسسها ، ويبني الانسان من جديد . ومن ناحية ثالثة ، نحن نعرف أنّ عملية فهم القرآن الكريم لا يكفي فيها النظر إلى جملة قرآنية ، أو مقطع قرآني ، بل كثيرا ما يحتاج فهم هذا المقطع أو تلك الجملة إلى مقارنة بغيره مما جاء في الكتاب الكريم ، أو إلى تحديد الظروف والملابسات ، وهذه الدراسة المقارنة لها قريحتها ، وشروطها الفكرية الخاصة ، وراء الفهم اللغوي الساذج . وهكذا نعرف أن طبيعة الأشياء تدل على أنّ الصحابة كانوا يفهمون القرآن فهما اجماليا ، وأنهم لم يكونوا على وجه العموم يفهمونه بصورة تلقائية فهما تفصيليا يستوعب مفرداته وتراكيبه . وهذا الذي تدل عليه طبيعة الأشياء أكدته أحاديث ووقائع كثيرة دلت على أنّ الصحابة كانوا كثيرا ما لا يستوعبون النص القرآني ولا يفهمون معناه ، إمّا لعدم اطّلاعهم على مدلول الكلمة القرآنية المفردة من ناحية لغوية ، أو لعدم وجود استعداد فكري يتيح لهم فهم المدلول الكامل ، أو لفصل الجملة أو المقطع القرآني عن الملابسات والأمور التي يجب أن يقرن المقطع القرآني بها لدى فهمه . « 1 »
--> ( 1 ) ذكرنا وجود شواهد كثيرة على هذه الحقيقة وردت في كتب الحديث والتفسير مثل الطبرسي في مجمع البيان وصحيح البخاري والمستدرك للحاكم وغيرها .