محمد السيد علي بلاسي
137
المعرب في القرآن الكريم
ولذلك فإن البحث في الألفاظ ومحاولة نسبتها إلى بيئة أصلية محل للزلل في كثير من الأحيان ، فقد يتصور الباحث أن كلمة من الكلمات أصلها إنجليزي ثم يتضح فيما بعد أن لها أصلا آخر . وخير مثال لهذا ، ذلك الشاب الياباني الذي أراد القيام باستقصاء الألفاظ الإنجليزية التي دخلت اللغة اليابانية ، ثم تبين له في آخر الأمر أن تلك الألفاظ التي ظنها إنجليزية لم تكن إلا يابانية في أصلها حملها البحارة الإنجليز إلى بلادهم ، وأخذت النسج المألوف في الكلمات الإنجليزية ، وكذلك النبر الخاص باللفظ الإنجليزي ، ثم تنوسي هذا الأصل وعادت تلك الكلمات إلى بيئتها الأصلية أي اليابان وحسبوها أجنبية عنهم « 1 » . وعلى هذا ، فحكم الشافعي وأبي عبيدة بنى على اعتبار احتمال اشتراك لغتين أو أكثر في لفظ واحد ؛ لا سيما مع سعة العربية ونشوء مشكلات عدم معرفة الأصول اللغوية . وهذا ما دافع به الإمام الشافعي في « الرسالة » ، حين أشار إلى : أ - أن لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا ، وأكثرها ألفاظا ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ، فلعل اللفظ المقول بأعجميته كان عربيا ولكنه لا يعلم عربيته إلا بعض العرب ممن بلغهم علمه . والقرآن ذاته يدل على أنه خال من الأعجمي . ب - أن ما جاء من الأعجمي موافقا للعربي يعد من باب توافق اللغات « 2 » . ونحو من هذا ، ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى ، حين أشار إلى أن الألفاظ المقول بأعجميتها في القرآن من باب « توافق اللغات » ، قائلا :
--> ( 1 ) من أسرار اللغة : د . إبراهيم أنيس ، ص 108 ، ط 3 - الأنجلو المصرية سنة 1966 ميلادي . ( 2 ) أصل العرب ولغتهم بين الحقائق والأباطيل : ص 93 - بتصرف يسير - . وراجع : الرسالة : للإمام الشافعي ، بتحقيق أحمد محمد شاكر ، ص 42 - 53 . الطبعة الأولى - مصطفى البابي الحلبي ، سنة 1358 ه ، تجد مزيدا من التفصيل .