محمد السيد علي بلاسي
132
المعرب في القرآن الكريم
الحق من سليقتك ، فتجد أنها جاءت من باب التعجيز لا من باب الإعجاز » « 1 » . وإذ قد بينا فيما سبق مدى الجهل الذي وقع فيه الخوري حداد ، وحاول دون جدوى أن يطمس نور الحقيقة بزيفه وتحريفه ، فإن ما تمثل به من الجهل هنا لا يقل عما سبق ، وإليك هذه الحقائق الصريحة التي جهلها لنقف على مدى الخلط والباطل الذي اشتمل عليه كلامه ، ونسج وهمه وخياله . نقول : إن تبادل التأثير والتأثر بين اللغات قانون اجتماعي إنساني ، وإن اقتراض بعض اللغات من بعض ظاهرة إنسانية أقام عليها فقهاء اللغة المحدثون أدلة لا تحصى . . والعربية في هذا المضمار ليست بدعا من اللغات الإنسانية ، غير أنها تفترق عنها : ببراعتها في تمثلها للكلام الأجنبي ، عن طريق صوغه على أوزانها ، وإنزاله على أحكامها ، وجعله جزءا لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها « 2 » . ولعل العامل الرئيسي في دخول الكلام الأعجمي في اللغة العربية يرجع إلى : ما أتيح للشعوب الناطقة - من قبل الإسلام ومن بعده - من فرص الاحتكاك المادي والثقافي والسياسي بالشعوب الأخرى ؛ وكان من الضروري نتيجة لهذا الاحتكاك : تبادل المصطلحات العلمية ، واقتراض مسميات الأشياء التي توجد في أمة ولا توجد في أخرى منها ، مما اضطر العربي - حتى يساير موكب الحضارة - إلى أن يستخدم اللفظ الأجنبي ، بعد ما يطوعه للغته ؛ فيعرّبه ، وبذلك يصير اللفظ عربيا ، يضاف إلى لغته ، كما يضم إلى ألفاظ ال . « 3 » ولم يزعم أحد أن الألفاظ التي تدخل لغة ما من غيرها ثم تحورها على
--> ( 1 ) نظم القرآن والكتاب : الخوري حداد ، ص 144 . ( 2 ) دراسات في فقه اللغة : د . صبحي الصالح ، ص 314 ، 315 . وراجع : من أسرار اللغة : د . إبراهيم أنيس ص 109 وما بعدها . ( 3 ) فقه اللغة : د . علي عبد الواحد وافي ، ص 119 ، 200 ، ط . دار نهضة مصر . وفقه اللغة : د . إبراهيم محمد أبو سكين ، ص 43 ، ط . الأمانة سنة 1404 ه .