عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

85

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

كقول أحدهم : هلمّ وتعال وأقبل . قال البيهقي : أما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة « غفور رحيم » بدل « عليم حكيم » ، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي ، فإذا قرأ ذلك في غير موضعه فكأنه قرأ آية من سورة ، وآية من سورة أخرى ، فلا يأثم بقراءتها كذلك ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة ، ولا آية رحمة بآية عذاب . قلت : وكان هذا سائغا قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلا على الأمة حفظه ، لأنه نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء بلفظه ، بل هم قوم عرب فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح . ثم إن الصحابة رضي اللّه عنهم خافوا من كثرة الاختلاف ، وألهموا ، وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن ، ومن نشأ على حفظه صغيرا فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له ، وصار الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بعد ما عارضه به جبريل عليه السلام في تلك السنة مرتين ، ثم اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين ، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم ، وهو ما يتعلق بتلك الألفاظ من الحركات والسكنات والتشديد والتخفيف وإبدال حرف بحرف يوافقه في الرسم ، ونحو ذلك ؛ وما لا يحتمله المرسوم الواحد فرق في المصاحف فكتب بعضها على رسم قراءة ، وبعضها على رسم قراءة أخرى ، وأمثلة ذلك كله معروفة عند العلماء بالقراءات ، وصح عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه وعن غيره أنه قال : إن القراءة سنة . قال البيهقي : أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة ، لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام ، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة ، وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة ، أو أظهر منها . قال أبو بكر بن العربي « 1 » : سقط جميع اللغات والقراءات إلا ما ثبت في

--> ( 1 ) أبو بكر بن العربي : هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد ، المعروف بابن المغربي ، ويقال : ابن العربي القاضي ، أبو بكر المعافري الإشبيلي الأندلسي ، ولد سنة 468 ه ، وتوفي سنة 543 ه . له من المصنفات : « أحكام القرآن » ، « أعيان الأعيان » ، « الأمد الأقصى بأسماء اللّه الحسنى وصفاته العلى » ، « الإنصاف في مسائل الخلاف » ، « أنوار الفجر المنير » في التفسير « تبيين الصحيح وتعيين الذبيح » ، « ترتيب الرحلة » ، « ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك » ، « تفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل » ، « التوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد » ، « الحاكمة في الفتاوى » ، -