عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

76

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

قلت : وقد سبق ذلك ، فيكون على هذا قد كتبه زيد ثلاث مرات في أيام الأئمة الثلاثة رضي اللّه عنهم ؛ وهذه رواية غريبة ، إلا أن ظاهر القصة يدل على صحتها لأن اختصاص آل عمر بالصحيفة بعد عمر دل على أنه كان كتبها لنفسه ، ولو كانت هي التي كتبت في زمن أبي بكر لما اختص بها آل عمر ، واللّه أعلم . وقد حكى القاضي أبو بكر في كتاب « الانتصار » خلافا في أن أبا بكر جمع القرآن بين لوحين أو في صحف وأوراق متفرقة ، وبكل معنى من ذلك قد وردت الآثار . وقيل : كتبه أولا في صحف ومدارج نسخت ونقلت إلى مصاحف جعلت بين لوحين ؛ وقيل : معنى قول علي : « أبو بكر أول من جمع القرآن بين اللوحين » : أي جمع القرآن الذي هو الآن بين اللوحين ، وكان هذا أقرب إلى الصواب جمعا بين الروايات . وكأن أبا بكر رضي اللّه عنه كان جمع كل سورة أو سورتين أو أكثر من ذلك في صحيفة على قدر طول السورة وقصرها . فمن ثم قيل : إنه جمع القرآن في مصحف ، ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتعدد ؛ ثم إن عثمان رضي اللّه عنه نسخ من تلك الصحف مصحفا جامعا لها ، مرتبة سورة سورة على هذا الترتيب ، ويدل على ذلك ظاهر حديث يزيد الفارسي عن ابن عباس قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى « براءة » و « الأنفال » فقرنتم بينهما ؟ « 1 » الحديث ، فإنه يدل على أن لعثمان في جمعه القرآن بعد أبي بكر تصرفا ما ، وهو هذا ، فأبو بكر جمع آيات كل سورة كتابة لها من الأوراق المكتوبة بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلّم بإملائه ، وهو على وفق ما كان محفوظا عندهم بتأليف النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وعثمان جمع السور على هذا الترتيب في مصحف واحد ناسخا لها من صحف أبي بكر . وأما ما روي أن عثمان جمع القرآن أيضا من الرقاع كما فعل أبو بكر فرواية لم تثبت ، ولم يكن له إلى ذلك حاجة ، وقد كفيه بغيره ، فالاعتماد على ما قدمناه أول الباب من حديث صحيح البخاري ؛ وإنما ذكرنا ما بعده زيادة كالشرح له ، وجمعا لما روي في ذلك ، ويمكن أن يقال : إن عثمان طلب إحضار الرقاع ممن هي عنده ، وجمع منها ، وعارض بما جمعه أبو بكر ؛ أو نسخ مما جمعه أبو بكر ، وعارض بتلك الرقاع ؛ أو جمع بين النظر في الجميع حالة النسخ ، ففعل كل ذلك أو بعضه ، استظهارا ودفعا لوهم من يتوهم خلاف الصواب ، وسدا لباب القالة : إن الصحف غيرت أو زيد فيها ونقص ، وما فعله مروان من طلبه الصحف من ابن عمر وتمزيقها - إن صح ذلك - فلم يكن لمخالفة بين الجمعين ، إلا فيما يتعلق بترتيب السور ، فخشي

--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .