عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
72
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
من لسان غيرهم . أو المراد : نزل في الابتداء بلسانهم ، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف ؛ وقول ابن عباس رضي اللّه عنهما : « لم يكن النبي صلى اللّه عليه وسلّم يعلم ختم السورة حتى تنزل البسملة » ، يعني به - واللّه أعلم - وقت عرض النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، القرآن على جبريل عليه السلام ، فكان لا يزال يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية ، فيعلم أن السورة قد انقضت ، وعبّر النبي صلى اللّه عليه وسلّم بلفظ النزول ، إشعارا بأنها قرآن في جميع أوائل السور فيه ، ويجوز أن يكون المراد بذلك أن جميع آيات كل سورة كان ينزل قبل نزول البسملة ، فإذا كملت آياتها نزّل جبريل البسملة ، واستعرض السورة ، فيعلم النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن السورة قد ختمت ، لم يبق لحق بها شيء . واعلم أن حاصل ما شهدت به الأخبار المتقدمة وما صرحت به أقوال الأئمة أن تأليف القرآن على ما هو عليه الآن كان في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلّم بإذنه وأمره ؛ وأن جمعه في الصحف خشية دثوره بقتل قرائه كان في زمن أبي بكر رضي اللّه عنه ؛ وأن نسخه في مصاحف حملا للناس على اللفظ المكتوب حين نزوله بإملاء المنزل إليه صلى اللّه عليه وسلّم ومنعا من قراءة كل لفظ يخالفه كان في زمن عثمان رضي اللّه عنه ؛ وكأن أبا بكر كان غرضه أن يجمع القرآن مكتوبا مجتمعا غير مفرق على اللفظ الذي أملاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على كتبة الوحي ليعلم ذلك ، ولم يكل ذلك إلى حفظ من حفظه خشية فنائهم بالقتل ، ولاختلاف لغاتهم في حفظهم على ما كان أبيح لهم من قراءته على سبعة أحرف على ما ستأتي معانيها في الباب الثالث ؛ فلما ولي عثمان وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد وخيف عليهم الفساد من اختلافهم في قراءاتهم لاختلاف لغاتهم حملهم عثمان على ذلك اللفظ الذي جمعه زيد في زمن أبي بكر ، وبقي ما عداه ليجمع الناس على قراءة القرآن على وفق ما نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا يكثر فيه التصرف ، فيتفاحش تغيره ، وتنمحق ألفاظه المنزلة . ولهذا قال أبو مجلز لاحق بن حميد « 1 » رحمه اللّه - وهو من جلّة تابعي البصرة - : يرحم اللّه عثمان ، لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر . وقال حماد بن سلمة « 2 » : كان عثمان في المصحف كأبي بكر في الردة .
--> ( 1 ) هو أبو مجلز البصري ، لاحق بن حميد ، توفي سنة 106 ه . ( انظر ترجمته في : الطبقات الكبرى 7 / 162 ، 261 ، كتاب الثقات 5 / 518 ، غاية النهاية 2 / 362 ، تهذيب التهذيب 11 / 171 ، شذرات الذهب 1 / 134 ) . ( 2 ) هو حماد بن سلمة بن دينار ، أبو سلمة البصري ، توفي سنة 167 ه . ( انظر ترجمته في : كتاب الثقات 6 / 216 ، الطبقات الكبرى 7 / 208 ، ميزان الاعتدال 1 / 277 ، تهذيب التهذيب 3 / 11 ) .