عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
65
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
تعطيه الصحيفة فأعطته إياها ، فعرض المصحف عليها ؛ فلم يختلفا في شيء ، فردها إليها وطابت نفسه . . » . وعن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال : سمع عثمان قراءة أبيّ وعبد اللّه ومعاذ فخطب الناس ثم قال : إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في القرآن . عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لما أتاني به . فجعل الرجل يأتيه باللوح والكتب والعسيب فيه الكتاب ، فمن أتاه بشيء قال : أنت سمعته من رسول اللّه ؟ ثم قال : أي الناس أفصح ؟ قالوا : سعيد بن العاص ، قال : أي الناس أكتب ؟ قالوا : زيد بن ثابت ، قال : فليكتب زيد ، وليمل سعيد . قال : فكتب مصاحف ، فقسمها في الأمصار ، فما رأيت أحدا عاب ذلك عليه . قلت : كذا في كتاب ابن أبي داود . وفي تسمية معاذ هنا نظر ، فإن معاذا توفي قبل ذلك في طاعون عمواس في خلافة عمر ، ولعل قراءته بقيت بعده عند أصحابه ، فسمعها عثمان منهم . وأخرج هذا الحديث الحافظ البيهقي في كتاب « المدخل » بمخالفة لهذا في بعض الألفاظ وبزيادة ونقصان فقال : جلس عثمان على المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إنما عهدكم بنبيكم صلى اللّه عليه وسلّم منذ ثلاث عشرة سنة ، وأنتم مختلفون في القراءة ، يقول الرجل لصاحبه : واللّه ما تقيم قراءتك . قال : فعزم على كل من كان عنده شيء من القرآن إلّا جاء به ، فجاء الناس بما عندهم فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سمعوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : من أعرب الناس ؟ قالوا : سعيد بن العاص ، قال : فمن أكتب الناس ؟ قالوا : زيد بن ثابت كاتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، قال : فليمل سعيد وليكتب زيد . قال : فكتب مصاحف ففرقها في الأجناد ، فلقد سمعت رجالا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقولون : لقد أحسن . قال البيهقي : فيه انقطاع بين مصعب وعثمان ، وقد روينا عن زيد بن ثابت أن التأليف كان في زمن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وروينا عنه أن الجمع في الصحف كان في زمن أبي بكر ، والنسخ في المصاحف كان في زمن عثمان ، وكان ما يجمعون وينسخون معلوما لهم ، فلم يكن به حاجة إلى مسألة البينة . قلت : لم تكن البينة على أصل القرآن ، فقد كان معلوما لهم كما ذكر ، وإنما كانت على ما أحضروه من الرقاع المكتوبة فطلب البينة عليها أنها كانت كتبت بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وبإذنه على ما سمع من لفظه على ما سبق بيانه ، ولهذا قال : فليمل سعيد ، يعني من الرقاع التي أحضرت ، ولو كانوا كتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه .