عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

156

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

قال أبو حامد الغزالي « 1 » في كتاب « ذم الغرور » « 2 » : « اللب الأقصى هو العمل ، والذي فوقه هو معرفة العمل ، وهو كالقشر للعمل وكاللب بالإضافة إلى ما فوقه ، والذي فوقه هو سماع الألفاظ وحفظها بطريق الرواية ، وهو قشر بالإضافة إلى المعرفة ولب بالإضافة إلى ما فوقه ، وما فوقه هو العلم باللغة والنحو ، وفوق ذلك القشرة العليا وهو العلم بمخارج الحروف ، والعارفون بهذه الدرجات كلهم مغترون إلّا من اتخذ هذه الدرجات منازل ، فلم يعرج عليها إلا بقدر حاجته ، فتجاوز إلى ما وراءه ، حتى وصل إلى باب العمل ، وطالب بحقيقة العمل قلبه وجوارحه ، ورجى عمره في حمل النفس عليه وتصحيح الأعمال وتصفيتها عن الشوائب والآفات ، فهذا هو المقصود المخدوم من جملة علوم الشرع ، وسائر العلوم خدم له ووسائل إليه وقشور له ومنازل بالإضافة إليه ، وكل من لم يبلغ المقصد فقد خاب ، سواء كان في المنزل القريب ، أو في المنزل البعيد ؛ وهذه العلوم لما كانت متعلقة بعلوم الشرع اغتر بها أربابها » . وقال في كتاب « تلاوة القرآن » « 3 » : « أكثر الناس منعوا من فهم القرآن لأسباب وحجب سدلها الشيطان على قلوبهم ، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن ، أولها : أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها ، وهذا يتولى حفظه شيطان وكّل بالقراء ليصرفهم عن معاني كلام اللّه تعالى ، فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف ، يخيل إليهم أنه لا يخرج من مخرجه ، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف ، فأنّى تنكشف له المعاني ؟ وأعظم ضحكة الشيطان لمن كان مطيعا لمثل هذا التلبيس » . ثم قال : « وتلاوة القرآن حقّ تلاوته أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب ، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظ العقل تفسير المعاني ، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر والانزجار والائتمار . فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ » « 4 » . قلت : صدق رحمه اللّه ، ومع أن الأمر كذلك ، فقد تجاوز بعض من يدعي

--> ( 1 ) هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد الإمام ، حجة الإسلام ، أبو حامد الغزالي الطوسي الشافعي ، ولد سنة 450 ه ، وتوفي سنة 505 ه . من مصنفاته : « الأجوبة المسكتة عن الأسئلة المبهتة » ، « إحياء علوم الدين » ، « مقاصد الفلاسفة » ، « كيمياء السعادة » فارسي ، « تهافت الفلاسفة » ، « التبر المسبوك في نصائح الملوك » ، « جواهر القرآن » ، « السر المصون والجوهر المكنون » ، « فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة » ، « المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال » وغير ذلك الكثير . ( كشف الظنون 6 / 79 - 80 ) . ( 2 ) انظر « إحياء علوم الدين » 3 / 398 . ( 3 ) انظر « إحياء علوم الدين » 1 / 292 . ( 4 ) انظر « إحياء علوم الدين » 1 / 295 .