عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
144
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
الوزير محمد بن علي - يعني ابن مقلة « 1 » - وأحضر القضاة والفقهاء والقراء وناظره - يعني الوزير - بحضرتهم ، فأقام على ما ذكر عنه ونصره واستنزله الوزير عن ذلك فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف وتخالفه ، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع فأمر بتجريده وإقامته بين الهنبازين وضربه بالدرة على قفاه ، فضرب نحو العشرة ضربا شديدا ، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة ، فخلي عنه وأعيدت عليه ثيابه واستتيب ، وكتب عليه كتاب بتوبته وأخذ فيه خطّه بالتوبة » . وقرأت في تاريخ هارون بن المأمون قال : « وفي أيام الراضي ضرب ابن مقلة ابن شنبوذ سبع درر لأجل قراءة أنكرت عليه ، ودعا عليه بقطع اليد وتشتت الشمل ، فقطعت يده ثم لسانه » . وقرأت في تاريخ ثابت بن سنان « 2 » شرح هذه القصة ، فقال : « بلغ الوزير أبا علي محمد بن مقلة أن رجلا - يعرف بابن شنبوذ - يغير حروفا من القرآن ، فاستحضره واعتقله في داره أياما ، ثم استحضر القاضي أبا الحسين عمر بن محمد وأبا بكر أحمد بن موسى بن مجاهد وجماعة من أهل القرآن ، وأحضر ابن شنبوذ ونوظر بحضرة الوزير ، فأغلظ للوزير في الخطاب وللقاضي ولابن مجاهد ، ونسبهم إلى قلة المعرفة ، وعيّرهم بأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر ، واستصبى القاضي ، فأمر الوزير بضربه ، فنصب بين الهنبازين وضرب سبع درر ، فدعا - وهو يضرب - على ابن مقلة بأن تقطع يده ويشتت شمله ، ثم وقف على الحروف التي قيل إنه يقرأ بها فأنكر ما كان منها شنعا » . وقال فيما سوى ذلك : « إنه قد قرأ به قوم فاستتابوه فتاب . وقال : إنه قد رجع عما كان يقرأ به وإنه لا يقرأ إلا بمصحف عثمان رضي اللّه عنه وبالقراءة المتعالمة المشهورة التي يقرأ بها الناس ، فكتب عليه الوزير أبو علي محضرا بما سمع من لفظه ، صورته : « يقول محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ : قد كنت أقرأ حروفا
--> ( 1 ) ابن مقلة : هو محمد بن علي بن الحسين بن عبد اللّه ، أبو علي ، المعروف بابن مقلة ، توفي سنة 328 ه . ( انظر ترجمته في : المنتظم 6 / 309 ، الأعلام 7 / 157 ، وفيات الأعيان 2 / 79 ) . ( 2 ) هو ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة بن هارون ، الطبيب الحراني ، الصابي ، أبو الحسن ، توفي سنة 365 ه ، صنف : « كتاب التاريخ » من سنة 295 ه إلى سنة 363 ه . ( انظر : كشف الظنون 5 / 248 ، معجم الأدباء 2 / 397 ، شذرات الذهب 3 / 44 ) .