عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )
134
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
« وقد اختار قوم قراءة عاصم ونافع فيما اتفقا عليه وقالوا : قراءة هذين الإمامين أصح القراءات سندا وأفصحها في العربية ، وبعدهما في الفصاحة قراءة أبي عمرو والكسائي » . « وإذا اجتمع للحرف قوته في العربية وموافقة المصحف واجتماع العامة عليه فهو المختار عند أكثرهم . وإذا قالوا : قراءة العامة ، فإنما يريدون ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة ، فهو عندهم سبب قوي يوجب الاختيار ، وربما اختاروا ما اجتمع عليه أهل الحرمين ، وسموه أيضا بالعامة » . قلت : ولعل مرادهم بموافقة خط المصحف ما يرجع إلى زيادة الكلم ونقصانها . فإن فيما يروى من ذلك عن أبيّ بن كعب وابن مسعود رضي اللّه عنهما من هذا النوع شيئا كثيرا ، فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على ما سبق تفسيره . وأما ما يرجع إلى الهجاء وتصوير الحروف ، فلا اعتبار بذلك في الرسم ، فإنه مظنة الاختلاف ، وأكثره اصطلاح ، وقد خولف الرسم بالإجماع في مواضع من ذلك ، كالصلاة والزكاة والحياة ، فهي مرسومات بالواو ولم يقرأها أحد على لفظ الواو . فليكتف في مثل ذلك بالأمرين الآخرين ، وهما صحة النقل والفصاحة في لغة العرب . فصل واعلم أن القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها ، قد انتهت إلى السبعة القراء المتقدم ذكرهم ، واشتهر نقلها عنهم لتصديهم لذلك وإجماع الناس عليهم ، فاشتهروا بها كما اشتهر في كل علم من الحديث والفقه والعربية أئمة اقتدي بهم وعول فيها عليهم . ونحن فإن قلنا : إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت وعنهم نقلت ، فلسنا ممن يقول : إن جميع ما روي عنهم يكون بهذه الصفة ، بل قد روي عنهم ما يطلق عليه أنه ضعيف وشاذ بخروجه عن الضابط المذكور باختلال بعض الأركان الثلاثة ، ولهذا ترى كتب المصنفين في القراءات السبع مختلفة في ذلك ، ففي بعضها ذكر ما سقط في غيرها ، والصحيح بالاعتبار الذي ذكرناه موجود في جميعها إن شاء اللّه تعالى .