عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

123

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

قال : « فالجواب : أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعات بقراءات مختلفة فنقل ذلك على ما قرأ ، فكانوا في برهة من أعمارهم ، يقرءون الناس بما قرءوا . فمن قرأ عليهم بأي حرف كان لم يردوه عنه ، إذ كان ذلك مما قرءوا به على أئمتهم » . « ألا ترى أن نافعا قال : قرأت على سبعين من التابعين ، فما اتفق عليه اثنان أخذته ، وما شك فيه واحد تركته . يريد - واللّه أعلم - مما خالف المصحف . وكان من قرأ عليه بما اتفق فيه اثنان من أئمته لم ينكر عليه ذلك » . « وقد روي عنه أنه كان يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له : نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت » . « وهذا قالون « 1 » ربيبه وأخص الناس به ، وورش « 2 » أشهر الناس المتحملين إليه اختلفا في أكثر من ثلاثة آلاف حرف من قطع وهمز وتخفيف وإدغام وشبهه » . « ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه ولا نقلها أحد عن نافع غير ورش ، وإنما ذلك لأن ورشا قرأ عليه بما تعلم في بلده فوافق ذلك رواية قرأها نافع على بعض أئمته فتركه على ذلك . وكذلك ما قرأ عليه به قالون وغيره » . ثم قال : « فإن سأل سائل : ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم ، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازا ، وصاروا في وقتنا أشهر من غيرهم ممن هو أعلى درجة منهم وأجل قدرا ؟ » . فالجواب : أن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد ، كثيرا في الاختلاف . فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به ، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم ، واشتهر أمره وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل ، وثقته فيما قرأ وروى ، وعلمه بما يقرئ به ، ولم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم ، فأفردوا من كل مصر وجّه إليه عثمان رضي اللّه عنه مصحفا إماما ، هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر .

--> ( 1 ) قالون : هو عيسى بن ميناء بن وردان بن عيسى المدني ، مولى الأنصار ، أبو موسى ، ولد بالمدينة سنة 120 ه ، وتوفي فيها سنة 220 ه ، أحد القراء المشهورين عالم بالعربية والقراءة . ( الأعلام 5 / 110 ، النجوم الزاهرة 2 / 235 ، إرشاد الأريب 6 / 103 ، غاية النهاية 1 / 615 ، التاج 9 / 313 ) . ( 2 ) ورش : هو عثمان بن سعيد بن عدي المصري ، ولد بمصر سنة 110 ه ، وفيها توفي سنة 197 ه ، من كبار القراء ، غلب عليه لقب ورش لشدة بياضه ، وأصله من القيروان . ( الأعلام 4 / 205 ، إرشاد الأريب 5 / 33 ، غاية النهاية 1 / 502 ، التاج 4 / 364 ) .