محمد بن محمد ابو شهبة

95

المدخل لدراسة القرآن الكريم

ورهبان النصارى ، ولو أنه حدث ما زعموا لنقله إلينا الرواة المسلمون الذين لم يدعوا صغيرة ولا كبيرة مما يتعلق بالسيرة المحمدية إلا ذكروها . وأما ما زعموه من أن محمدا مر على ديار مدين وتحدث مع أهلها فغير صحيح ؛ وأين مدين من طريق تجارتهم إلى الشام وليس من المعقول من مثل النبي ، وهو من هو في رجاحة العقل ، وقوة الفطنة أن يعتمد في أخبارهم ، وأخبار ثمود وغيرهم من الأمم السابقة ، على أعراب لا علم عندهم ولا تحقيق ، ولم يعرف عن القوافل التجارية أنها كانت تضيع وقتها في البحث عن الأحبار والرهبان ، وما كان للنبي وقد ذهب مع قافلة أن يشتزّ عنها ثم يذهب باحثا عن علماء أهل الكتاب ، ولو أنه فعل لما تمكن من تصريف تجارته ، مع أنه المنقول أنه كان تاجرا أمينا ناجحا ، وأنه كان يربح ربحا وافرا ، وهذا لن يتأتى في العادة لمن شغل بغير تجارته ، ثم لو سلمنا جدلا أنه سمع من أخبار أهل الكتاب ، فهل هذه النتف المبعثرة المشوّشة تكوّن هذا القصص الوافي الدقيق على المنهج الذي جاء به القرآن ! ( الرد على المقدمة الثانية ) وهي ما زعموه من أن ورقة كان من متنصّرة العرب ، وأنه كان قريب خديجة ، وأن النبي أخذ منه بعض معارف أهل الكتاب ، فقد خلطوا فيه الحق والباطل . والذي ثبت في الصحيحين : أن ورقة كان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية ، وكان يعرف العربية والعبرانية ، وكان له علم بالكتب السابقة ، وأن السيدة خديجة لما أخبرها النبي ما رأى ، وما سمع بغار حراء ، وجاءها فزعا خائفا أخذته إلى ابن عمها ورقة ، فأخبره النبي بما رأى ، فقال له ورقة : هذا هو الناموس « 1 » الذي كان ينزل على موسى ، ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك ، فقال له النبي : « أو مخرجيّ هم » قال ورقة : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني

--> ( 1 ) الناموس : رسول الخير وهو أمين الوحي جبريل - عليه السلام .