محمد بن محمد ابو شهبة

92

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وضربوا مثلا للوحي النفسي قصة « جان دارك » الفتاة الفرنسية التي اعتقدت أنها مرسلة من عند اللّه لإنقاذ وطنها ، ودفع العدو عنه ، وادعت أنها تسمع صوت الوحي ، فأخلصت في دعوتها وتوصلت بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير تغلبت به على العدو ، ثم ماتت غبّ انتصارها لما خذلها قومها ، ووقعت في يد عدوها فألقوها في النار حية ، وقد ذهبت تاركة وراءها اسما يذكر في التاريخ ، وقد حظيت بتعظيم قومها ، وإجلالهم لها ، حتى قررت الكنيسة الكاثوليكية قداستها فيما بعد موتها بزمن « 1 » . ومما يؤسف أن هذا التصوير الذي يصورون به ظاهرة الوحي قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتابين ، الذين يقلدون هؤلاء الماديين في نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها ، وأغلب هؤلاء من المتعلمين الذين تلقوا العلم في الغرب ، وليس عندهم من الثقافة الإسلامية العميقة ما يعصمهم من الانسياق وراء هؤلاء . [ المقدمات الست التي اسندوا إليها ] ولأجل أن يؤيدوا فكرة الوحي النفسي ذكروا مقدمات تخيلوها أو تصيدوها زاعمين أنها أساس هذه التشريعات والعلوم التي امتلأ بها عقل النبي الباطن ثم فاضت بها نفسه فقالوا : أ - إن محمدا كان يصحب عمه أبا طالب في كثير من رحلاته التجارية وأنه استفاد من هذه الرحلات بما كان يسمعه من الأعراب الذين كانوا يسكنون الديار التي يمر عليها كديار ثمود ، ومدين وغيرهما ، وما كان يسمعه من أحبار اليهود ورهبان النصارى وذلك مثل بحيرى الراهب الذي لقيه في مدينة « بصرى » بالشام ، وقالوا : إنه كان نسطوريّا من أتباع « آريوس » في التوحيد ، وينكر ألوهية المسيح ، وعقيدة التثليث ، وإن محمدا لا بدّ أن يكون علم منه عقيدته بل غالى بعضهم فزعم أنه كان معلما للنبي ومصاحبا له بعد رسالته . 2 - إن ورقة بن نوفل كان من متنصّرة العرب العالمين بالنصرانية وكان

--> ( 1 ) الوحي المحمدي للسيد محمد رشيد رضا ص 76 ط السادسة .