محمد بن محمد ابو شهبة

73

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وهذا المعنى الذي أراده الحق سبحانه - فيما أراده من حكم لنزول القرآن منجما ومفرقا قطعا قطعا - هو غاية ما وصل إليه أهل التربية في حفظ النصوص الطويلة ، وتسهيل فهمها . وهذا المعنى التربوي ما كان يجول بخاطر بشر في هذا العصر ، وفي هذه البيئة البدوية ، مما يدل على أن منزّل القرآن على هذه الطريقة البديعة هو اللّه . . العالم بالطبائع البشرية ، والنفوس وأسرارها . الحكمة الثانية : التدرج في تربية الأمة دينيّا وخلقيّا واجتماعيّا ، وعقيدة وعلما وعملا ، وهذه الحكمة هي التي أشار إليها الحق - تبارك وتعالى - بقوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) [ سورة الإسراء : 106 ] ، ويندرج تحت هذه الحكمة ما يأتي : التدرج في انتزاع العقائد الفاسدة ، والعادات الضارة والمنكرات الماحقة ، فقد بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى قوم يعبدون الأصنام ، ويشركون باللّه غيره ، ويسفكون الدماء ، ويشربون الخمر ، ويزنون ، ويغتصبون الأموال ، ويئدون البنات خشية العار ، ويقتلون الأولاد خشية الفقر ، ويظلمون النساء ، ويتزوجون نساء الآباء ، ويجمعون بين الأختين ، كما كانوا يتظالمون ، ويقع بينهم الحروب لأوهى الأسباب كناقة رعت من حمى ، أو سبق فرس ، أو نحو ذلك . وكانت الحروب تدوم بينهم عشرات الأعوام حتى تأكل الأخضر واليابس ، وكان التكافل والتعاون بينهم يكاد يكون معدوما فلا تراحم بين الأغنياء والفقراء ، ولا بين السادة والعبيد ولا بين الأقوياء والضعفاء . ومعلوم : أن النفس يشق عليها ترك ما تعودته مرة واحدة « وشديد عادة منتزعة » والإقلاع عما اعتقدته بمجرد النهي عنه ؛ لأن للعقائد - حتى ولو كانت باطلة - وللعادات - ولو كانت مستهجنة - سلطانا على النفوس ، والناس أسراء ما ألفوا ، ونشئوا عليه ، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة ،