محمد بن محمد ابو شهبة
69
المدخل لدراسة القرآن الكريم
وللإمام « الجوينيّ » « 1 » في هذا المقام كلام حسن ذكره السيوطي في الإتقان « 2 » وعلق عليه وإليك هذا الكلام . [ الفرق بين الوحيين ] قال الجويني : « كلام اللّه المنزل قسمان ؛ قسم قال اللّه لجبريل : قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن اللّه يقول : افعل كذا - وكذا وأمر بكذا ففهم جبريل ما قاله ربه ، ثم نزل بعد ذلك إلى النبي وقال له ما قاله ربه » ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان : يقول لك الملك اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال ، فإذا قال الرسول : يقول لك الملك : لا تتهاون في خدمتي ، ولا تترك الجند تتفرق ، وحثهم على المقاتلة . . لا ينسب إلى كذب ، ولا تقصير في أداء الرسالة . وقسم آخر : قال اللّه لجبريل : اقرأ على النبي هذا الكتاب ، فنزل جبريل بكلمة من اللّه من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ، ويقول : اقرأه على فلان ، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفا . قال « السيوطي » قلت : القرآن هو القسم الثاني ، والقسم الأول هو السنة ، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن ، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى ؛ لأن جبريل أداها بالمعنى ، ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أداه باللفظ ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى ، والسر في ذلك : أن المقصود منه ، التعبد بلفظه ، والإعجاز به ؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه ، وأن تحت كل حرف منه معاني ، لا يحاط بها كثرة ؛ فلا يقدر أحد أن يأتي بما يشتمل عليه ، والتخفيف على الأمة ، حيث جعل المنزل إليهم على قسمين ، قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى ، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشق ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف ، فتأمل ، وسئل الزهري عن الوحي فقال : الوحي ما يوحي اللّه
--> ( 1 ) هو أبو المعالي عبد الملك بن أبي عبد اللّه بن يوسف الجويني العراقي ، شيخ الغزالي ، وأعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي ، توفي سنة 487 ه . ( 2 ) الإتقان ج 1 ص 44 .