محمد بن محمد ابو شهبة
62
المدخل لدراسة القرآن الكريم
السلام - على حالتين : 1 - أن ينسلخ النبي صلى اللّه عليه وسلم من حالته الشريفة العادية ، إلى حالة أخرى ، بها يحصل له استعداد ، لتلقي الوحي من « جبريل » عليه السلام ، وهو على حالته الملكية وفي هذه الحالة قد يسمع عند مجيء الوحي صوت شديد كصلصلة الجرس « 1 » . . وأحيانا يسمع الحاضرون صوتا عند مجيء الوحي كدويّ النحل . . وتأخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم حالة شديدة روحانية ، يغيب فيها عما حوله ، ويثقل جسمه ، حتى لتكاد الناقة التي يركبها تبرك ، وإذا جاءت فخذه على فخذ إنسان تكاد ترضّها ويتصبب عرقه ، وربما يسمع له غطيط كغطيط النائم ، فإذا ما سرّي عنه وجد نفسه واعيا لكل ما سمع من الوحي فيبلغه كما سمعه ، وهذه الحالة أشد حالات الوحي على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويشير إلى هذا قوله تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) [ المزمل : 5 ] ؛ وعلى هذه الحالة تلقى القرآن . 2 - أن يتحول « جبريل » - عليه السلام - من الملكية إلى الصورة البشرية ، فيأتي في صورة رجل ، فيأخذ عنه الرسول ويسمع منه . . وكثيرا ما كان جبريل - عليه السلام - يأتي في هذه الحالة في صورة « دحية الكلبي » « 2 » ، أو صورة أعرابي لا يعرف « 3 » ، وهذه الحالة أهون الحالين على
--> ( 1 ) قال الخطابي : والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد ، وقيل : هو صوت خفق أجنحة الملك ، والحكمة في تقدمه ، أن يفرغ سمعه للوحي ، فلا يبقى فيه مكانا لغيره . ( 2 ) دحية : بكسر الدال ، وكان من أجمل العرب وأنظفهم ، ففي صحيح البخاري عن أبي عثمان النهدي أنه قال : « أنبئت أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم وعنده أم سلمة فجعل يتحدث معه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من هذا » أو كما قال ، قالت : هذا دحية فلما قام - يعني النبي - قالت : - يعني أم سلمة - واللّه ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم يخبر خبر جبريل أو كما قال . ( كتاب فضائل القرآن - باب كيف نزل الوحي ) . ( 3 ) وذلك كما في حديث جبريل المشهور الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما ففي رواية لمسلم : « بينما نحن عند رسول اللّه إذ طلع علينا رجل . . ولا يعرفه منا أحد » وفي الصحيحين أن النبي قال لأصحابه : « ردوا عليّ الرجل » فذهبوا فلم يجدوه فقال :