محمد بن محمد ابو شهبة
59
المدخل لدراسة القرآن الكريم
6 - نزول الكتب السماوية السابقة أما الكتب السماوية السابقة ، فالمشهور بين العلماء ، أن ذلك كان جملة واحدة حتى كاد يكون هذا الرأي إجماعا ، كما قال « السيوطيّ » . والدليل على ذلك آية « الفرقان » : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . . . الآية ، ووجه الدلالة : أن اللّه - سبحانه - لم يكذّبهم في دعواهم نزول الكتب السماوية جملة ، بل بين لهم الحكمة في نزوله مفرقا ، ولو كانت الكتب السماوية نزلت مفرقة لكان كافيا في الرد عليهم أن يقول لهم : إن التنجيم سنة اللّه في الكتب التي أنزلت على الرسل ، كما أجاب بمثل ذلك قولهم : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ . . . [ سورة الفرقان : 7 ] فقال في الرد عليهم : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 20 ] ، فبين لهم أن ذلك سنن الأنبياء والمرسلين ، وكذلك لما قالوا : هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الأنبياء : 3 ] فردّ عليهم : بأن سنته ألّا يرسل رسلا إلّا من البشر فقال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) [ سورة الأنبياء : 7 ] ولما قالوا : كيف يكون رسولا ولا همّ له إلا النساء رد عليهم فقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [ الرعد : 38 ] إلى غير ذلك . ويدل على ذلك أيضا . . قوله تعالى في إنزاله التوراة على موسى عليه السلام يوم الصّعقة : فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ [ سورة الأعراف : 144 - 145 ] ، وقوله : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) [ سورة الأعراف : 154 ] ، وقال تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 17 ) [ سورة الأعراف : 171 ] ، والمراد بالألواح : الألواح التي كتبت فيها التوراة . فهذه الآيات دالة على إنزاله - سبحانه - التوراة على « موسى » جملة .