محمد بن محمد ابو شهبة
49
المدخل لدراسة القرآن الكريم
والذي عليه جمهور المفسرين : أن الكتاب المكنون : هو اللوح المحفوظ ، ومعنى « محفوظ » : أي عن استراق الشياطين ، ومحفوظ عن التغيير والتبديل ، ومعنى « مكنون » : مصون محفوظ عن الباطل ، والمعنيان متقاربان . واللّوح المحفوظ : هو السجل العام الذي كتب اللّه فيه في الأزل كل ما كان وكل ما يكون . والواجب علينا : أن نؤمن به وأنه موجود ثابت ، أما البحث فيما وراء ذلك ، كالبحث في حقيقته وماهيته ، وعلى أي حالة يكون وكيف دونت فيه الكائنات وبأي قلم كتب فلا يجب الإيمان علينا به ، إذ لم يرد عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم في ذلك حديث صحيح ، وكل ما ورد إنما هي آثار عن بعض الصحابة والتابعين لا تطمئن إليها النفس « 1 » . وحكمة وجود « القرآن » في اللوح المحفوظ : نرجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح المحفوظ نفسه وإقامته سجلا جامعا لكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين ، فهو شاهد ناطق ، ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة اللّه وعلمه وإرادته ، وواسع سلطانه وقدرته ، ولا شك أن الإيمان به يقوي إيمان العبد بربه من هذه النواحي ، ويبعث الطمأنينة إلى نفسه ، والثقة بكل ما يظهره اللّه لخلقه من ألوان هدايته وشرائعه وكتبه وسائر أقضيته ، كما يحمل الناس على السكون والرضا بسلطان القدر والقضاء ، ومن هنا تهون عليهم الحياة بضرائها وسرائها كما قال جل شأنه : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) [ سورة الحديد : 22 - 23 ] . وللإيمان باللوح والكتابة أثر صالح في استقامة المؤمن على الجهاد في اللّه وتفانيه في طاعة اللّه ومراضيه ، وبعده عن مساخطه ومعاصيه ، لاعتقاده
--> ( 1 ) انظر تفسير « القرطبي » و « ابن كثير » و « الآلوسي » في تفسير آية البروج .