محمد بن محمد ابو شهبة

297

المدخل لدراسة القرآن الكريم

الأمر من نسخ السنة بالسنة ، ويكون قولها في الحديث « فتوفي رسول اللّه وهن مما يقرأ من القرآن » أي من حكم القرآن على أنه سنة لا قرآن ، ولا شك أنهم كانوا يعنون بحفظ السنة أيضا ، أو يكون المراد وهن فيما يعلم من أحكام القرآن . 2 - وللحديث تأويل آخر ، وهو أنه يحمل على أنه كان قرآنا ثم نسخ لفظه وبقي حكمه ، وبعد النسخ لم يعد يسمى قرآنا ولا له حكمه ، فإن قيل : هذا تأويل مقبول لولا ما يعارض من قولها : « فتوفي رسول اللّه وهن فيما يقرأ من القرآن » قلت : إن غرضها الإخبار بأن هذا النسخ لم يقع إلا قبيل وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم فعلم بالنسخ الكثيرون ، وتركوا القراءة به ، ولم يعلم البعض ، فبقي هذا البعض على القراءة حتى تيقنوا فيما بعد نسخه فتركوا القراءة به ؛ قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث : ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدّا ، حتى أنه صلى اللّه عليه وسلم توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده ، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى « 1 » . وهذا الجواب إنما يتم على مذهب من يرى أن من أقسام النسخ ما نسخت تلاوته وبقي حكمه ، وهذا النوع قد أنكره بعض العلماء ، قال الإمام السيوطي في الإتقان « 2 » : حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا الضرب ، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها . هذا ولعل الوجه الأول في الجواب أولى وأسلم . الشبهة الثامنة : ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب » وفي رواية أخرى له أيضا

--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) ج 2 ص 26 .