محمد بن محمد ابو شهبة
262
المدخل لدراسة القرآن الكريم
وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك » « 1 » . فقد أخبر أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء وإنما محلّه القلوب كما جاء في وصف هذه الأمة « أناجيلهم في صدورهم » « 2 » بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب . فلا عجب والحال كما سمعت أن حفظ القرآن جم غفير من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة وحذيفة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وابن مسعود ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وابن عمر ، وعبد اللّه بن عمرو ابن العاص ، وأبوه ، وغيرهم من المهاجرين ، ومن الأنصار : أبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو الدرداء ، وأبو زيد ، ومهما يكن من شيء فقد حفظ القرآن الكثيرون من الصحابة في عهد النبي ؛ ولقد روي أنه قتل في يوم بئر معونة سبعون من القراء . رواية مشكلة : ولكن يشكل على ما ذكرنا ما رواه البخاري في صحيحه « 3 » عن أنس بن مالك قال : مات النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ، أبو الدرداء ،
--> ( 1 ) الحديث بتمامه كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن قتادة عن مطرف بن عبد اللّه بن الشخير ، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته : « ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ؛ كل مال نحلته عبدي حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ينزل به سلطانا ، وإن اللّه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب ، وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا ، وإن اللّه أمرني أن أحرق قريشا ، فقلت : رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ، قال : استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك ، وأنفق فسننفق عليك ، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله ، وقاتل بمن أطاعك من عصاك . . . » الحديث ( كتاب الجنة ونعيمها ، وصفة أهلها - باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل ( النار ) ، يثلغوا رأسي : يشدخوه ويشجوه كما يشج الخبز . ( 2 ) المراد كتابهم المقدس وهو القرآن لأن المسلمين ليس لهم أناجيل ، وإنما ذلك للنصارى ، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عن قتادة في قوله : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) [ الأعراف : 154 ] قال موسى : رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلها أمتي ! ! قال : تلك أمة أحمد ، قال : ربي إني أجد في الألواح نبي أمة هم الآخرون السابقون رب فاجعلها أمتي قال : تلك أمة أحمد ، قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها ، رب اجعلهم أمتي ! قال تلك أمة أحمد ، قال قتادة فذكر لنا أن نبي اللّه موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال : اللهم اجعلني من أمة أحمد . ( 3 ) كتاب فضائل القرآن - باب القراء من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم .