محمد بن محمد ابو شهبة
201
المدخل لدراسة القرآن الكريم
المصاحف قد أجمع عليه العلماء ، وثبت بالتواتر المفيد للقطع واليقين ، فلا تعارضه روايات آحادية مهما بلغت أسانيدها من الصحة أو من الحسن أو الجودة ، لأن الآحادي لا يعارض التواتر ولا يقوى على مناهضته . وعلى فرض تسليم ثبوت هذه الروايات قد تأول العلماء هذه الأحاديث على غير ظاهرها ؛ لوجود الصارف لها ، وهو ما قدمناه من الإجماع على عدم جواز ذلك . قال الإمام ابن عبد البر - في رواية أبي داود - : إنما أراد ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها ، أنها معان متفق مفهومها ، مختلف مسموعها « 1 » ، لا يكون في شيء منها معنى وضده ، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : وهذه أيضا سبعة غير السبعة التي هي وجوه وطرائق ، وغير السبعة التي هي قراءات وتوسع فيها ، وإنما هي سبعة أوجه من أسماء اللّه تعالى . وإذا ثبتت هذه الرواية - رواية أبي - حمل على أن هذا كان مطلقا ثم نسخ ، فلا يجوز للناس أن يبدلوا أسماء اللّه في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالفه « 2 » ، وهو تأويل كما ترى . وشكك في صحتها بعض العلماء فقال صاحب التبيان « 3 » : وكأن بعض الحفاظ ينكر صحة هذه الرواية ، فإنه قال - في إثبات ما ذهب إليه من عدم جواز الرواية بالمعنى - وبرهان ذلك : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم علّم « البراء بن عازب » دعاء ، وفيه « ونبيك الذي أرسلت » فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ورسولك الذي أرسلت » فأمره - عليه السلام - أن لا يضع « رسول » في موضع لفظة « نبي » وذلك حق لا يحيل معنى وهو - عليه الصلاة والسلام - رسول ونبي ، فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا :
--> ( 1 ) يريد أنها دالة على ذات واحدة وإن اختلفت ألفاظها . ( 2 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 267 . ( 3 ) التبيان ص 58 .