محمد بن محمد ابو شهبة

178

المدخل لدراسة القرآن الكريم

شقة الخلاف ، ويقل التنازع فجمع المصحف ، وكتبه على حرف واحد وهو حرف قريش ، ونسخ منه نسخا أرسل بها إلى الأمصار ، وحرق ما عدا هذا المصحف الذي أمر بجمعه ، وعزم على كل من كان عنده مصحف يغاير المصاحف العثمانية أن يحرقه ، فاستوثقت له الأمة بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، فالتزمت القراءة بحرف قريش ؛ وتركت القراءة بالأحرف الستة الباقية ، التي عزم عليها إمامها العادل الراشد أن تتركها امتثالا لأمر الإسلام ، في طاعة أولي الأمر ، ورعاية منهم لمصلحتهم ومصلحة الأمة ممن يأتي بعدهم حتى درست معرفة هذه الأحرف الستة من الأمة وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها ، لدثورها ، وعفاء آثارها ، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها ، فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الأحرف الباقية « 1 » . وإلى هذا الرأي ذهب الجماهير من سلف الأمة وخلفها فذهب إليه الأئمة سفيان بن عيينة ، وابن جرير الطبري ، ودافع عنه دفاعا حارّا في مقدمة تفسيره والطحاوي ، وابن وهب ، وخلائق كثيرون ، واختاره القرطبي ، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء ، وهذا الرأي هو الذي أختاره وأميل إليه . ولكي يخلص لنا هذا الرأي ممحصا مصفى ، سنذكر بعض التوضيحات له ، والشبه التي أثيرت حوله ، ونجيب عليها ، حتى يتبين لنا أنه الرأي المروي والمختار « 2 » . الشبهة الأولى : إن قال قائل : في أي موضوع من القرآن نجد حرفا واحدا مقروءا بسبع

--> ( 1 ) تفسير الطبري ج 1 ص 20 - 22 . ( 2 ) اعتمدت في هذا غالبا على ما ذكره العلامة ابن جرير في تفسيره ، مع التلخيص والتوضيح .