محمد بن محمد ابو شهبة
174
المدخل لدراسة القرآن الكريم
وبحسبك شاهدا على هذا ما كان من الفاروق « عمر » - رضي اللّه عنه - مع هشام بن حكيم حتى هم أن يأخذ بتلابيبه وهو في الصلاة ، وما كان من « أبي » و « ابن مسعود » ، و « عمرو بن العاص » مع غيرهم ، وأن الصحابة إنما اختلفوا وتنازعوا في قراءة بعض الألفاظ ، ورفعوا الأمر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يعلموا : أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فلما علموا بهذه الحقيقة اطمأنوا ، وقطع بينهم دابر الشقاق والمراء . الأقوال في المراد من الأحرف السبعة اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة ، وقد أوصلها « ابن حبان » إلى خمسة وثلاثين قولا ، ونقلها عنه « السيوطي » في الإتقان ، وسنذكر أشهر هذه الأقوال وأهمها ، ونناقش كل قول مناقشة موضوعية خالية من التعصب لقول ، أو التحيف على آخر ، على ضوء ما قدمنا من روايات ، وما استنتجناه من أصول ، ومن غير نظر إلى قائله ومنزلته ، والحق لا يعرف بالرجال ، وإنما يعرف الرجال بالحق ، ومن اللّه نستمد التوفيق والعصمة من الزلل . القول الأول إن الحديث من المشكل الذي لا يدرى معناه ؛ لأن الحرف يصدق في لغة على حرف الهجاء ، وعلى الكلمة ، وعلى المعنى ، وعلى الجهة ، فهو مشترك لفظي لا يدرى أي معانيه هو المراد . وهذا القول نسب إلى « أبي جعفر محمد بن سعدان النحوي » ونحا نحوه الحافظ السيوطي في شرحه « 1 » على سنن النسائي حيث قال - بعد ذكر الحديث - : في المراد به أكثر من ثلاثين قولا ، حكيتها في الإتقان ، والمختار عندي : أنه من المتشابه الذي لا يدرى تأويله . وهذا الرأي بمعزل عن التحقيق ؛ فإن مجرد كون اللفظ مشتركا لفظيّا لا يلزم منه الإشكال ولا التوقف ، وإنما يكون ذلك لو لم تقم قرينة تعين بعض
--> ( 1 ) أما في الإتقان فقد نقل الأقوال وجعل همه السرد ولم يتعرض للترجيح ولا للاختيار .