محمد بن محمد ابو شهبة

142

المدخل لدراسة القرآن الكريم

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ . . . [ الأنعام : 145 ] الآية ، إن الكفار لما حرموا ما أحل اللّه ، وأحلوا ما حرم اللّه ، وكانوا على المضادة ، والمحادة ، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرمتموه ، ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلوى ، فنقول له : لا آكل اليوم إلا حلوى ، والغرض : المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة ؛ فكأنه قال : لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير اللّه به . ولم يقصد حل ما وراءه ، إذ القصد : إثبات التحريم لا إثبات الحل ، قال إمام الحرمين « 1 » : « وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات ، فيما ذكرته الآية ، وهذا قد يكون من الشافعي أجراه مجرى التأويل » . الفائدة الرابعة : معرفة اسم من نزلت فيه الآية ، وتعيين المبهم فيها ، وفي ذلك إسناد الفضل لأهله ، ونفي التهمة عن البريء الذي ألصق به ما هو براء منه ، وذلك مثل ما روي عن السيدة عائشة - رضي اللّه عنها - أنها ردت على « مروان بن الحكم » حينما اتهم أخاها « عبد الرحمن بن أبي بكر » بأنه الذي نزل فيه قوله تعالى : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ . . . [ الأحقاف : 17 ] الآية ، وقالت : « واللّه ما هو به ، ولو شئت أن أسميه لسميته » « 2 » رواه البخاري . ومثل ما إذا عرفنا سبب النزول في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) [ سورة البقرة : 207 ]

--> ( 1 ) هو عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد الجويني الشافعي العراقي شيخ الإمام الغزالي ، وأعلم أصحاب الشافعي المتأخرين ، نسبة إلى جوين كورة بخراسان كما في القاموس ، وصاحب التصانيف الكثيرة ، توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة . ( 2 ) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة الأحقاف .