محمد بن محمد ابو شهبة

126

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وقد رأيت في الآثار السابقة التي ذكرناها آنفا ، أن آية الربا ، وآية الكلالة من أواخر القرآن نزولا ، بل آية وَاتَّقُوا يَوْماً . . . نزلت بعد الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بأكثر من شهرين ، فقد حددت رواية ابن أبي حاتم ، أن نزولها كان قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم بتسع ليال مما يجعلنا نقطع بأن الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . ليس آخر القرآن نزولا ، وأن هذا الزعم لا نصيب له من الصحة . بم يفسر الإكمال في الآية وقد يقول لي قائل : « وإذا كان الأمر كما ذكرت ، فبم تفسر إذا إكمال الدين وإتمام النعمة . والجواب أن للعلماء المفسرين في فهم الآية رأيين : الأول : أن المراد بإكمال الدين يومئذ ، هو إنجاحه ، وإقراره ، وإظهاره على الدين كله ، ولو كره الكافرون ، بفتح مكة ، وإتمام حجهم الأكبر ولا شك أن الإسلام في حجة الوداع كان قد ظهرت شوكته وعلت كلمته ، وأذل الشرك وأهله ، وأجلي المشركون عن البلد الحرام ، وانفرد المسلمون بالحج ، والطواف بالبيت لم يشاركهم فيهما مشرك ، فأي كمال بعد هذا وأي نعمة بعد تلك النعمة وإلى هذا الرأي ذهب العلامة ابن جرير الطبري في تفسيره حيث قال : « الأولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم ، بإقرارهم بالبلد الحرام ، وإجلاء المشركين عنه ، حتى حجه المسلمون ، لا يشاركهم المشركون » ، ثم أيده بما رواه بسنده عن ابن عباس قال : « كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا ، فلما نزلت « براءة » نفي المشركون من البيت ، وحج المسلمون ، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين ، فكان من تمام النعمة وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وهذا الرأي في تفسير الآية لا ينفي نزول آيات بعدها في الحلال والحرام والوعظ والتذكير . الثاني : أن المراد بإكمال الدين إكمال الأحكام ، والحلال ، والحرام