محمد بن محمد ابو شهبة

103

المدخل لدراسة القرآن الكريم

للناس عقيدة وشريعة ، وعلما وعملا ، وأخلاقا وفضائل ، وعدلا ورحمة ، وسياسة وقيادة ، أما جان دارك ، فلم تصنع بدعوتها أمة ، ولم تقم بها حضارة . بل أين حال هذه الفتاة التي كانت كبارقة أو مضت ثم اختفت ، وشمعة أضاءت ثم لم تلبث أن خفتت ، وثورة قدر سرعان ما زالت من حال شمس النبوة المحمدية التي أشرقت فأضاءت الأرجاء ، وسطعت فبددت الظلمات ، ظلمات الشرك والجهل والفقر والخرافات ، ولا يزال نورها - ولن يزال - متألق السناء ، إلا ما أبعد الفرق بين الحالين ، وفرق ما بينهما كفرق ما بين الأرض والسماء . شبهة أخرى على الوحي المحمدي لقد أسفّ بعض المستشرقين والمبشرين فزعموا أن الحالة التي كانت تعتري النبي صلى اللّه عليه وسلم عند تلقي الوحي من جبريل ، وهو على حالته الملكية ، وهي الحالة التي كان النبي يغيب فيها عن الناس وعما حوله ، ويسمع له غطيط كغطيط « 1 » النائم ، ويتصبب عرقه ، ويثقل جسمه ، هي حالة صرع تتمخض عما يخبر به أنه وحي . وإليك رد هذه الفرية لترى أنهم طعنوا في غير مطعن ، وطاروا في غير مطار . 1 - إن النبي صلى اللّه عليه وسلم بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كان أصح الناس بدنا وأقواهم جسما ، وأوصافه التي تناقلها الرواة الثقات تدل على البطولة الجسمانية ، وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة بن عبد يزيد فصرعه ، وكان ركانة هذا مصارعا ماهرا ، ما قدر أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض ، ولما عرض عليه النبي الدعوة قال : صارعني فإن أنت غلبتني آمنت أنك رسول اللّه ، فصارعه الرسول فغلبه ، فقيل إنه أسلم عقب ذلك « 2 » والمصاب

--> ( 1 ) صوت النائم إذا احتبست أنفاسه . ( 2 ) الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 520 ، والاستيعاب ج 1 ص 531 ( هامش الإصابة ) .