محمد فاروق النبهان

99

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

ويعنف عندما يتطلب الأمر ذلك ، ويلين ويسهل عندما تتطلب الحكمة ذلك ، لا فرق في ذلك بين مكي ومدني ، لأن القرآن كلام اللّه وهو معجز في حكمته ، ومن الإعجاز أن يكون الخطاب مؤديا غايته ومحققا مقاصده . وما اكتشف المفسرون حتى اليوم من إعجاز القرآن لا يتجاوز المقدار القليل ، والإعجاز مستمر ومتواصل ، والخطاب القرآني متجدد لا يتوقف ، وكل جيل مخاطب بالقرآن ، ومكلف بأن يكتشف الجديد من إعجازه وأحكامه ومقاصده وغاياته ، فإذا كان هناك قصور في الفهم فهذا دليل على عجز الإنسان وجمود فكره وتخلف إدراكاته ، ومسيرة البشرية متواصلة ، وعطاء القرآن لن يتوقف أبدا . معرفة أول ما نزل من القرآن : اختلف العلماء في أول ما نزل من القرآن ، وسبب الاختلاف في هذا الأمر بالرغم من شهرة بعض الروايات ورجحانها أن الأمور التي تتعلق بالنقل والرواية يختلف الرأي فيها باختلاف الرواية ، وتتعدد الأقوال بتعدد ما ثبت من الروايات ، ولا يملك الباحث في موطن الروايات المنقولة إلا أن يقف موقف الحياد ، سامعا للرواية ، ناقدا لسندها ، مفسرا لمتنها مرجحا بالحجة والبيان ما يراه أقوى وأرسخ . والخلاف في معرفة أول ما نزل وفي معرفة آخر ما نزل يدلنا دلالة أكيدة على أمرين : الأمر الأول : اهتمام علماء القرآن بكل ما يتعلق بالقرآن من حيث النزول وتاريخ النزول وأسبابه ، وهذا الاهتمام عمق الثقة بجدية الدراسات القرآنية ، وجعلها في موطن اليقين ، لكيلا يتطرق الشك إلى قطعية الثبوت فيما يتعلق بالنص القرآني . الأمر الثاني : أمانة العلماء في تسجيل ما ثبت لديهم من روايات منقولة ، تاركين للباحثين المختصين أمر توثيق تلك الروايات والنظر في أسانيدها ، في ضوء مقارنتها مع الروايات المنقولة الأخرى المتعارضة منها ، مما يجعل أمر