محمد فاروق النبهان
97
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
الخمر وإتيان الفواحش ، وأكل مال اليتيم واضطهاد الرجل للمرأة . ولم تكن المرحلة المكية مهيأة لوضع أسس نظام إسلامي ، لغياب مكونات ذلك المجتمع ، وكان لا بد من توسيع دائرة الدعوة ، لكي ينصب الاهتمام أولا على إصلاح العقيدة ، عن طريق المقارنة بين الإيمان والكفر ، واستخدام العقل البشري كأداة للتمييز والترجيح ، والعقل البشري قادر على أن يكتشف الحقيقة ، ولهذا استعمل القرآن الكلمات المعبرة عن ثقة الدعوة الإسلامية بالعقل والعقلاء ، والاحتكام إلى أهل البصيرة لكي يسلطوا الضوء على ذلك الصراع التاريخي بين الحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والتوحيد والشرك ، والفضيلة والرذيلة ، ولا بد في النهاية من انتصار الحق والإيمان والتوحيد والفضيلة ، مهما طال الزمن ، لأن الاستقامة هي الأصل ، والانحراف عن الأصل سرعان ما ينكشف أمره عند طلوع الفجر . خصائص الآيات المدنية : تتميز الآيات المدنية بخصائص تجسد واقع المجتمع الإسلامي الذي يواجه تحديات خارجية تستهدف كيانه ووجوده ، وتحديات داخلية تستهدف تنظيم شؤونه على قواعد ثابتة تحقق الانسجام بين مبادئ الإسلام وواقع المجتمع الإسلامي . وكان من الضروري أن ينصرف الاهتمام إلى وضع أسس ذلك المجتمع ، إذ لا يمكن لأي خطاب أن يتجاهل طبيعة المخاطب وهمومه ومشاغله وقضاياه ، وجاءت الآيات المدنية معبرة عن قضايا المسلمين ، منظمة شؤونهم ، مرشدة لهم لكي يختاروا الطريق السليم في التعامل لإرساء الحجر الأساسي في بناء المجتمع الإسلامي ، منظمة أحكام الجهاد والمال والحكم والأسرة والعقوبات داعية المسلمين إلى التكافل المادي الذي هو أساس التناصر وعماد الأمن والاستقرار . واختلف أسلوب الخطاب القرآني ، واختلفت موضوعاته ، وتوجه الخطاب إلى أهل المدينة من مؤمنين ومنافقين ويهود ، مشجعا المؤمنين على الدفاع عن وجودهم وكيانهم ، محذرا المنافقين من مغبة ما يفعلونه في الظلام من غدر