محمد فاروق النبهان
83
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
عنها ، وهذا أمر غير ممكن ، لعدم إمكان التماثل في اللغات ، ولأن كل لفظة تدل على معنى قد لا تدل عليه اللفظة المماثلة في اللغة الأخرى ، ولو أمكنت الترجمة الحرفية لتماثلت الترجمات وتوحدت ، ولما وقع الاختلاف بين المترجمين في كيفية الترجمة وفي اختيار الألفاظ المعبرة عن المعنى الأصلي . - ترجمة تفسيرية : وهذه ممكنة من الناحية الواقعية ، أولا : لأنها تعتبر الترجمة نوعا من التفسير ، وثانيا : لأنها تنفي عن الترجمة صفة الترجمة ، ولا تعتبر الترجمة في ظل هذا المفهوم ترجمة للقرآن ، وإنما هي نوع من التفسير . وكلمة التفسير ليست ملائمة في مجال الترجمة ، فالترجمة ليست تفسيرا ، وشروط الترجمة ليست هي شروط التفسير ، وكلمة الترجمة التفسيرية تنفي عن الترجمة صفة الترجمة ، لأن المفسر لا يكلف بما يكلف به المترجم من الالتزام باختيار الكلمة المماثلة ، فإذا جاءت الكلمة غامضة فليس من حق المترجم أن يفسر غموضها ، بخلاف المفسر ، فهو مكلف بإزالة الغموض ، وإذا كانت اللفظة محتملة لمعان عدة وجب على المترجم أن يأتي باللفظة المحتملة لنفس المعاني والدلالات ، وليس من حقه أن يختار ويرجح ، بخلاف المفسر فمن واجبه أن يبين ويوضح ويرجح ، ولهذا فإن استعمال كلمة « الترجمة التفسيرية » ليست دقيقة في هذا المجال ، لاختلاف معاني التفسير عن الترجمة . وبالرغم من أنني استعملت كلمة الترجمة التفسيرية في بعض كتبي « 1 » تعبيرا عن معنى الترجمة النسبية ، واعتبرت ذلك هو الترجمة الممكنة ، فإنني أؤكد أن الكلمة ليست دقيقة ، فالترجمة صيغة بديلة عن الأصل ، ولا تنفصل عنه ، وتفي بجميع معاني الأصل ومقاصده ، وكلمة التفسير لا تلزم المفسر بالإتيان بالصيغة البديلة عن الأصل ، والتفسير في اللغة هو البيان والتوضيح ، والترجمة لا تعني البيان والتوضيح ، وإذا قام المترجم ببيان الأصل وإزالة غموضه ، فهو مفسر وليس مترجما ، وتحكمه مقاييس التفسير وليس مقاييس الترجمة .
--> ( 1 ) انظر مبادئ الثقافة الإسلامية للمؤلف ص 156 - 157 ، طبعة دار البحوث العلمية .