محمد فاروق النبهان

80

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

الفصل الخامس : ترجمة القرآن لا خلاف بين العلماء في أن الإعجاز القرآني يتمثل في أسلوب القرآن ، ودقة ألفاظه ، وذلك التوافق والانسجام بين اللفظ والمعنى المراد ، بحيث يصور اللفظ المعاني أدق تصوير ، بحيث تبرز عظمة القرآن في روعة ألفاظه وجمالها ، وذلك التناسق العجيب بين اللفظ والمعنى ، والتكامل والترابط بين الألفاظ ، بحيث تكون اللفظة اللغوية معبرة أدق تعبير عن المعنى المراد ، ولو وقع أي إبدال أو تغيير في الألفاظ المترادفة لاختلت المعاني واضطرب الأسلوب . إن كل لفظة في القرآن تعبر عن الإعجاز وتمثل جانبا من جوانبه وتصور عظمة الأسلوب القرآني ، ولا مجال لإبدال كلمة بأخرى أو لفظة بما يماثلها ، إذ لكل لفظة موسيقاها الخاصة بها من حيث موقعها من الكلام ، ومن حيث دقة تعبيرها عن المعنى المراد . وإبدال لفظة بأخرى ولو كانت مماثلة للمعنى ، تخل بالمعنى العام ، وتوجد حالة من التوقف في ذلك النسق القرآني ، وكأن الآية ليست هي الآية ، وكأن المعنى ليس هو المعنى ، فالقرآن وحدة متكاملة ، من حيث ألفاظه ومعانيه ورسمه وأداؤه ، ولو كتب بغير الرسم القرآني لما أدى نفس المشاعر التي يولدها الرسم القرآني في كيفية تعبيره عن الكلمات القرآنية . ولا يتصور من الناحية العقلية أو الفعلية أن تقع ترجمة القرآن من اللغة العربية إلى لغة أخرى ، فالترجمة جهد بشري ، ويقع التفاوت فيه ، من حيث اختيار المفردات ، ولهذا تتعدد الترجمة وتتباين ألفاظها ، ويختلف الحكم عليها من حيث الدقة والضبط . وإذا كان من العسير على المفسر في نطاق اللغة العربية أن يستبدل لفظة قرآنية بما يماثلها أو يفسرها بما يدل عليها ، فإن من المستحيل على من يريد ترجمة القرآن أن يجد الكلمة المعبرة عن المعنى القرآني فضلا عن استحالة الحفاظ على روعة الألفاظ القرآنية التي تعتبر من مظاهر الإعجاز القرآني .