محمد فاروق النبهان

76

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

التفسير ، وليس الأمر كذلك فيما تدل عليه كلمة التأويل ، فالتأويل أدق وأعمق ، ويحتاج لموهبة خاصة وقدرة متميزة ، وإذا كان العقل هو أداة المفسر واللغة هي وسيلته ، فإن القلب هو أداة التأويل وهو أداة الفهم ، وهو موطن النقاء والصفاء في الإنسان ، وليس المراد بالقلب ذلك الجزء النابض بالحياة ، وإنما المراد به الخصوصية الإنسانية التي أناط بها اللّه تعالى مهمة الفقه والفهم ، فإذا ختم اللّه على قلب الإنسان أصبح عاجزا عن الفهم ، وعن إدراك المراد ، والقلب المعمر بالتقوى والصلاح ، يملك من أدوات الفهم وإمكاناته ما لا يملكه القلب الغافل المثقل بالأوساخ والحجب والستائر التي تحجب القلب عن إدراك الحقائق ، فيدرك منها ما لا ينفعه ولا يضره ، وقد يقوده عقله المحجوب بالغفلة إلى ضلال في الفهم وسقم في التأويل ، فلا يحسن الفهم ، ولا تستقيم رؤيته . وليست هناك في موطن التفسير والتأويل ألفاظ ومعاني ينفصل بعضها عن البعض الآخر ، بحيث يختص التفسير بألفاظها والتأويل بمعانيها ، وإنما هناك أدوات للفهم ، ووسائل للتعبير وهي ضرورية للفهم ، فإذا استوعب المفسر كل أدوات التفسير الضرورية كمعرفة معاني المفردات وكل ما يحيط بالنص المراد تفسيره من بيان وتوضيح أدرك بخصوصيته الإنسانية النقية الصافية « حقيقة المراد » واستقرت في نفسه بطريقة تلقائية غير متكلفة وبانت له واضحة متيقنة وكأنه يراها بحواسه . واستعمل القرآن الكريم لفظة « القلب » كثيرا ، والقلب في القرآن ليس هو القلب الصنوبري النابض ، وإنما هو الخصوصية الإنسانية . فالقلب هو موطن الإنابة وموطن الذكرى وموطن الإثم وموطن الاطمئنان وموطن الهداية وموطن الغفلة وموطن المرض وموطن الختم وموطن الرعب وموطن الفقه ، وموطن الزيغ وموطن الاشمئزاز وموطن الرحمة وموطن القسوة وموطن التآلف وموطن الطهر « 1 » ، وكرر القرآن استعمال لفظة المرض في معرض وصفه للقلوب الغافلة القاسية ، وعندما يطبع اللّه على قلوب بعض الناس فإنهم لا يفقهون .

--> ( 1 ) هذه الأوصاف مستنبطة من القرآن الكريم في موطن الحديث عن القلب .