محمد فاروق النبهان

47

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

وتتلاحق المواكب والأجيال ، كل جيل يضع لبنة في صرح هذا التراث العلمي العظيم ، معليا بها ذلك الصرح ، مضيفا إلى جهود العلماء السابقين إضافة جديدة ، في رحلة موفقة من جاهلية قاتمة المعالم ، ضيقة الأفق قليلة العطاء إلى حضارة منيرة مشعة ، وجدت في المعرفة امتدادها ، وضاعفت بفضل الإسلام عطاءها ، وتنافست عواصم الإسلام في رفع منارة العلم ، وتزاحمت مواكب العلماء تغذي الفكر الإسلامي وتثري مدارسه . ومن الطبيعي أن تحظى الدراسات القرآنية باهتمام العلماء والباحثين ، وأن تنشأ علوم القرآن وتتعدد ، وتخصّص في كل علم علماء ، يكتبون فيه ويصنفون ، ويتفقون ويختلفون ، ولولا هذه الحرية لما تعددت المدارس والمذاهب ، ولما تكاثرت الآراء وتباعدت ، وليس من حق أحد أن يوقف مسيرة الفكر البانية الأركان المنيرة الطريق ، مطاردة عصر الأمية والجهل ، مقتحمة غوامض الفكر ، مفسرة محكمه ، مجتهدة في فهم متشابهه ، لا تتهيب رأيا ولا تخشى اجتهادا ، تبحث عن الحقيقة ، كما يراها العقل ، والعقول متفاوتة في طاقاتها متباينة في تكوينها ، وكلها مخاطب ومسؤول ، والمخاطب مكلف بالفهم ، لا يغني البعض عن البعض الآخر . وإن من يدرس علوم القرآن يدرك عظمة الجهد الذي بذله علماء الإسلام ، في خدمة كتاب اللّه ، ففي كل جزئية علم ، وفي كل علم عشرات الكتب ، وفي كل كتاب آراء واجتهادات تعبر عن عظمة تراثنا العلمي ، وبخاصة ما يتعلق بالدراسات القرآنية ، وبالرغم من مئات المؤلفات في هذه الدراسات ، فإن علوم القرآن لا حدود لها ، ومن حق أي جيل أن يضيف الجديد من رأيه وفكره واجتهاده ، فالجيل اللاحق كالجيل السابق في قدراته ، لا يتفاضل جيل عن جيل ، ولا يحق لأي جيل أن يدعي لنفسه حق الوصاية على جيل لاحق أو سابق ، فالكل في مسيرة واحدة ، وتتفاضل الآراء بالحجة والبرهان ، ولا تتفاضل بأسبقية تاريخية أو انتماءات مكانية ، فلا مجال لذلك في مثل هذه الأمور . والتفسير هو العلم الأهم في العلوم الإسلامية ، وتتفاضل الأجيال بمدى