محمد فاروق النبهان
285
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
يحاسبه رادع من خلق ، ويقف إخوة يوسف في مواجهة أخيهم الصغير يوسف الذي حظي بسبب جماله وذكائه وفطنته بمحبة والده ورعايته . . وتتحرك النفس الأمارة بالسوء غاضبة مختنقة بمشاعر الحسد متطلعة للانتقام ، باحثة عن سبب لتحقيق هذه الغاية ، والنفس التي لم تبلغ كمالها الخلقي تظل عرضة لانفعالات خطيرة مدمرة لكل القيم الأخلاقية ، وينقض الإخوة على أخيهم الصغير ، فيوسعونه إذلالا ، فينتصر الأب لولده الصغير ، فتزداد مشاعر الغضب ، وتستبد تلك المشاعر بتفكير الإنسان ، ويفكر بعضهم بقتل ذلك الأخ ، وينصرف الجميع إلى إلقائه في غيابات جب مهجور في طريق بعيد ، ويحزن الأب ويتألم ، ولا يملك إلا أن يصبر الصبر الجميل . وتقود العناية الإلهية التي احتضنت هذا الطفل مسيرته ، وتطوقه بما يضمن له السلامة ، ويجد نفسه في رحاب قصر عظيم السلطان وفي قبضة امرأة أحكمت طوقها حوله ، أحبته وتعلقت به وشغفها حبا وراودته عن نفسه فاستعصم ، وجرح كبرياءها وأذل أنوثتها وكيف يمكن لمثله أن يرفض هذا الشرف العظيم ، وأرادت أن تذله كما أذلها وأن تجرحه كما جرحها ، وأن تقول للناس جميعا بأنها الأقوى والأقدر ، فرمته في السجن غلاما منسيّا ، وكان يمكن أن يظل في السجن ولا يذكره أحد ، وأعطاه اللّه سلاح التأويل ، وأمده بمعجزة ، وسلط على مصر قحطا ، وخرج من السجن بعد أن شهدت له تلك المرأة بحسن السلوك وأصبح صاحب سلطة ونفوذ ، ووقف إخوته بين يديه يطلبون منه الطعام ويخرون بين يديه سجدا ، يلتمسون منه العفو والصفح والمغفرة . . . وهكذا تمضي القصة في القرآن ، في أداء دورها في الإقناع والتأثير ، مخاطبة الإنسان ، مستلهمة العبر من التاريخ ، مستشهدة بمواقف مشهودة ومعلومة ، مؤكدة دور الأنبياء والرسل في إصلاح المجتمع ومقاومة رموز الشر فيه ، داعية إلى الاعتبار من التاريخ معززة القيم الإنسانية مبشرة الإنسان بغد ينتصر فيه الخير على الشر والعدل على الظلم . .