محمد فاروق النبهان

262

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ، وأحس موسى بالخوف والهلع ، ولا يمكن للبشرية في لحظة الالتقاء بالحقيقة الإلهية ممثلة في مظهر الخروج عن القوانين الطبيعية إلا أن تخاف والخوف هنا أمر حتمي ، فالإنسان يخاف من المعجزات ويخاف من الخوارق ويخاف من الغيب ، ولهذا جاءت المعجزات في نطاق ضيق لكي يشعر الإنسان بالأمن والاطمئنان ، وارتبطت المعجزة وهي العصا في الآية بقوله تعالى : إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ، لكي تكون المعجزة مؤكدة لكل ما سمعه موسى من نداء ، ولولا المعجزة الحسية لكان النداء أقل أثرا في النفس ، وهنا تأتي العناية الإلهية . . يتجدد النداء وفيها تأكيد على الأمن ، يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ . ولا بد من معجزة حسية تؤكد الإحساس بالأمن وتعمقه وتغذيه وتقويه وتدعمه ، لكي يرتد إليه الشعور بالاطمئنان ولكي يزول عنه الخوف . . وهنا جاء الأمر الإلهي من جديد . . - اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ . - وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ . معجزة واضحة لموسى ، لكي يطمئن . . يده يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء . . ثم تعود ثانية كما كانت . . هذا برهان من اللّه ، وهي بداية التكليف . . وخاف موسى . . كيف يمكنه أن يواجه فرعون وملأه . . وارتفع صوته المتهدج الوجل المتهيب . قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ . وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ . وجاء الجواب مطمئنا وواعدا وضامنا ومتعهدا . قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما