محمد فاروق النبهان

253

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

الفصل السادس عشر : القصة في القرآن القرآن كتاب هداية ، وهذا هو الأصل فيه ، وكل ما ورد فيه من توجيه وما اشتمل عليه من منهج وما تميز به من أسلوب إنما يهدف إلى تحقيق تلك الغاية ، ولذا فلا يمكننا أن نطبق المعايير البشرية المتعارفة على كتاب اللّه ، ولو طبقت تلك المعايير عليه لانتفت الخصوصية القرآنية ، وهي خصوصية في الأسلوب ، وفي القصة ، وفي النظم ، وفي التصوير ، وفي المنهج . والقصة في القرآن ليست قصة بالمفهوم الأدبي المتعارف عليه عند كتاب الرواية ، ولا يمكن أن تكون كذلك ، فالقرآن ليس رواية ، وليست غايته سرد حادثة ، وإنما غايته تحقيق هدف ينسجم مع رسالة القرآن . . وما يقصه القرآن من أخبار الأنبياء السابقين والأمم السابقة إنما يراد به أولا العبرة والعظة ، ويراد به ثانيا تأكيد منهج الدعوة واستمرارية هذا المنهج ، ويراد به ثالثا تصحيح الأحداث التاريخية ووضع تلك الأحداث في إطارها الصحيح ، للتأكيد على أن أنبياء اللّه واجهوا تحديات وصعوبات وصبروا ، ولم يضعفوا أو يستسلموا ، وتابعوا طريقهم من غير تردد ، مدافعين عن الحق رافعين لواء الإيمان باللّه ، مطالبين بتصحيح مسيرة الإنسان ، مبرزين عظمة الفضيلة في السلوك الإنساني . والقصة في القرآن خبر عن أمم سابقة ، وهو خبر عن غيب ولا يمكن أن يعلمه إلا من أوتي سعة من علم ، وجاء الوحي بها ، لتأكيدها وإقرارها وتصحيحها ، وما كان أهل الجاهلية يعلمون إلا القليل من أخبار الرسل والأمم ، ولا بد أن ما علموه دخله التحريف والتزوير والتشويه حتى أصبحت الحقيقة ضائعة ، وجاء القرآن لكي يؤكد الواقعة ، ويصحح الحدث ، ويشير إلى العبرة ، ويقود الإنسان إلى أن يكتشف بنفسه ما أراده القرآن من حتمية انتصار الإيمان على الكفر ، وانتصار الخير على الشر .