محمد فاروق النبهان

248

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

خامسا : استعمال الكناية والتعريض « 1 » ، والكناية أبلغ من الصريح في بعض المواطن ، وهي ترك التصريح بالشيء إلى ما يساويه في اللزوم ، ويتم اللجوء إلى الكناية لأسباب عدة إما لأن التصريح مما يستقبح ذكره ، كاستعمال الملامسة والمباشرة بمعنى الجماع ، وكذلك الغشيان والرفث والحرث والمراودة ، والغائط والإدبار ، أو لقصد المبالغة كاستعمال البسط للدلالة على سعة الجود والكرم ، أو لاختيار لفظ أجمل وأدق في التعبير ، كالتكنية بالنعجة أو الفرس عن المرأة أو الزوجة ، ولا بد في اختيار الكناية بدلا من التصريح من مبرر يقصده المتكلم ويريد الإشارة إليه للستر والمدح والذم والاختصار والتيسير والإيضاح ، وهذا أسلوب ذكي في التعبير ، ولا حدود للكناية ، وما تحققه الكناية لا يحققه الصريح من الألفاظ ، بل قد يؤدي الصريح إلى جرح المشاعر في بعض الأحيان والإسفاف في اللفظ والسقوط في أوحال الارتباك مما يحرج المتكلم والسامع . واستعمل القرآن الألفاظ المرادفة للألفاظ الصريحة المعبرة واعتبر هذا من أنواع البديع وهو قريب الشبه بالكناية ، وسمي بالإرداف كقوله تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي : انتهى الأمر بهلاك من هلك ونجاة من نجا ، ولا مجال بعد ذلك لحوار أو نقاش أو تغيير أو تبديل ، والكلمة تدل على معنى الحكم الملزم الذي لا رجعة فيه ، وفيه هيبة القرار وسمو الأمر . . واستعمل القرآن التعريض « 2 » وهو ذكر شيء للدلالة على شيء آخر هو المراد بالكلام ، ويختلف عن الكناية من حيث أن الكناية تذكر المراد بلفظ غير لفظه ، قال تعالى : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وهنا تعريض بالفاعل وذم له ، وإشارة إلى سوء ما فعل ، وكأن الموءودة في موطن القضاء تحاكم من قتلها ، وقال تعالى : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ، إشارة إلى عجز هذه الآلهة عن فعل أي شيء ، وسخرية من عقول المؤمنين بها . سادسا : الإيجاز والإطناب : وهو تأدية المعنى بلفظ أقل أو أكثر بحسب ما

--> ( 1 ) نفس المصدر ، ص 286 . ( 2 ) انظر معترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي ج 1 ، ص 286 .