محمد فاروق النبهان
231
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
اجتمعوا على الإسلام ، وأغشى أبصارهم في مواقف كثيرة ، وحمى القرآن من العبث ووحد به كلمة العرب . وكل قول إذا وقع تفسيره في إطاره الضيق أخل بفكرة الإعجاز وأساء لعظمة القرآن ، فمن قال بالصرفة لا يختلف عمن قصر الإعجاز على الصور البلاغية والألفاظ اللغوية من حيث تضييق الخناق على مفاهيم واسعة وإطارات للتفكير ذات أبعاد شمولية ، فما أضيق ما ذهب إليه اللغويون والبلاغيون من تفسير الإعجاز ، وما أوهن هذا الإعجاز الذي لا يعجز عنه البشر ، فالإعجاز أعم وأشمل وأسمى وأعلى من كل وجوه الإعجاز المذكورة في كتب الإعجاز . ولقد تصدى جمهور العلماء للرد على « النظّام » ، وأبانوا عن فساد رأيه وبطلان مذهبه ، وهذا أمر لا خلاف فيه ، فلا يمكن القول بانتفاء الخصوصية القرآنية الذاتية في الأسلوب والنظم واللغة والبلاغة ، ولا يمكن القول أيضا باقتصار الإعجاز على الجوانب اللغوية ، ومن رد على « النظّام » ومدرسته وجب عليه أن يرد على المدارس اللغوية أيضا ، لأنها نظرت للإعجاز نظرة ضيقة ، وسدت الأبواب أمام الظاهرة القرآنية المعجزة . ولقد أنكر الخطابي فكرة الإعجاز بالصرفة ، واعتبر أن الإعجاز لا بد إلا أن يكون في إطار الأمور الخارجة عن مجاري العادات فالتحدي لا يكون إلا فيما هو خارج عن القدرة الإنسانية ، ولا بد إلا أن يكون في إطار النظم والأسلوب ، بحيث جاء القرآن جامعا بين الفخامة والعذوبة ، وهما ضدان ، واجتماع الضدين في النظم القرآني فضيلة وبينة ومعجزة ، وأشار إلى أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمنا أحسن المعاني ، من توحيد للّه وتنزيه له وبيان لأحكام شرعه من تحليل وتحريم وحظر وإباحة وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، ودعوة إلى مكارم الأخلاق ، والإتيان بكل ذلك والجمع بين مختلف الغايات أمر يعجز عنه البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، ولذلك زاغت أبصارهم واضطربت أفئدتهم فقالوا أنه سحر أو شعر ، من حيث عجزهم عن الإتيان بمثله .