محمد فاروق النبهان
221
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
لأنا قد بينا بطلانه ، بالنسبة إلى كل واحد ، فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج عن ذلك « 1 » . أقوال العلماء في وجوه الإعجاز : اختلف العلماء في وجوه الإعجاز ، ومنطلق الاختلاف أن كل فريق ذهب إلى تلمس الإعجاز في جانب من جوانب التميز والتفوق في القرآن ، فمنهم من وجد الإعجاز في البلاغة والفصاحة ، ومنهم من وجد الإعجاز في الإخبار عن أمور الغيب ، مما لم يكن معروفا عند العرب ، ومنهم من وجد الإعجاز في قصص الأولين ، ومنهم من رأى في النظم والتأليف والتركيب والإحكام البياني مظهرا من مظاهر الإعجاز . وهذا التعدد في الرأي دليل على الإعجاز ، فالقرآن الذي وجد فيه اللغوي قمة في الإبداع ، ووجد فيه البلاغي قمة في الفصاحة ، ووجد فيه الفقيه تشريعا رائع الأحكام ، ووجد فيه الفيلسوف رؤية شمولية للكون والحياة والإنسان ، لا بد إلا أن يكون معجزا في كل شيء ، فالإعجاز إعجاز تحد ، وهو مطلق ولا يتوقف عند حدود اللغة والبيان والفصاحة والبلاغة . . وإعجاز القرآن إعجاز مطلق ، فهو معجز بكل ما فيه ، ومن الخطأ أن نتصور الإعجاز في جانب محدود ، فالإعجاز الإلهي إعجاز متعدد الجوانب ، لا يتوقف عند حدود الزمان أو المكان ، وهو مستمر إلى يوم الدين ، ويمتد الإعجاز لكي يشمل حفظ اللّه للقرآن ، ولعل الحفظ هو الإعجاز الأكبر والأوضح والأكمل ، ولولا حفظ اللّه للقرآن لما استطاع أن يظل على امتداد السنين وتكاثر الفتن فيها ، واختلاف الرأي والاجتهاد وتعدد الطوائف موحد النص ، واضح العبارة ، متميزا في رسمه ، يحتكم إليه في كل موقف ، ويحتج فيه في كل حكم ، ويجد الجميع فيه ما يبتغون من هداية وإرشاد ، وما وقع من خلاف فيه من حيث الجمع والرسم والقراءة ، لم يتجاوز حدود الخلاف اليسير الذي لم يثر أية ريبة في سلامة النص القرآني وقطعية آياته وسوره . .
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 93 .