محمد فاروق النبهان
180
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وعرف الزركشي في البرهان المحكم بأنه ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام ، والمتشابه ما يشتبه اللفظ فيه في الظاهر مع اختلاف المعاني ، ويقال للغامض متشابه ، واختلفوا فيه ، فقيل : هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا ، وقيل : هو المنسوخ غير المعمول به ، وقيل : القصص والأمثال ، وقيل : فواتح السور ، وقيل : ما لا يدرى إلا بالتأويل « 1 » وهذه الأقوال بالرغم من تعددها فهي دالة على المراد ، ومعبرة ، وواضحة ، فالمتشابه ما كان غامض الدلالة ، محتاجا لتأويل ، محتملا عدة أوجه ، لا مجال للترجيح بينها بمجرد العقل ، ولا بد فيها من دليل نقلي . . . ونقل صاحب البرهان عن ابن حبيب النيسابوري تعدد الأقوال في هذه المسألة ، من حيث كون القرآن محكما ومتشابها أو مشتملا على المحكم والمتشابه ، فاعتبر البعض أن القرآن محكم ، لقوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ والبعض قال : إنه متشابه ، والصحيح أنه منه المحكم ومنه المتشابه ، كما جاء في القرآن نفسه « 2 » . . . وذهب بعض علماء الكلام إلا أن القرآن يجب أن يكون معلوما وإلا بطلت فائدة الانتفاع به ، ونقل الراغب الأصفهاني قولهم هذا ، وناقش الزركشي كلام من قال : ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى ، فأجاب بأن الأمر لا يخلو من حالتين « 3 » : الحالة الأولى : إن كان يمكن علمه فله فائدتان : الفائدة الأولى : حث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائق معانيه ، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب . الفائدة الثاني : إظهار فضل العالم على الجاهل ، ويستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله ليحصل له درجة الفضل . . .
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 2 ، ص 68 - 69 . ( 2 ) البرهان ، ج 2 ، ص 68 - 69 . ( 3 ) البرهان ، ج 2 ، ص 75 .