محمد فاروق النبهان

157

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

الرأي الثاني : الرسم القرآني اجتهادي : ذهب بعض العلماء ومنهم الباقلاني وابن خلدون إلى أن رسم القرآن اجتهادي ، ولا مجال للتوقيف في مجال الإملاء الذي تحكمه قواعد ، ونفى الباقلاني أن يكون هناك أي دليل يثبت التوقيف في الرسم ، والتوقيف يحتاج إلى دليل . وقال في كتابه الانتصار : « وأما الكتابة فلم يفرض اللّه على الأمة فيها شيئا ، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون ما أوجبه عليهم وترك ما عداه ، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف ، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود ، لا يجوز تجاوزه ، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه ، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ، ولا دلت عليه القياسات الشرعية . وأكد الباقلاني أن السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان يأمر برسمه ، ولم يبين لهم وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته ، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف ، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال ، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول ، وأن يجعل اللام على صورة الكاف وأن تعوج الألفات وأن يكتب على غير هذه الوجوه » . وعلل ذلك بأن الخطوط إنما هي علامات ورسم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز ، فكل رسم دال على الكلمة مقيد لوجه قراءتها تجب صحته ، وتصوير الكاتب به على أي صورة كانت . وختم الباقلاني كلامه بأن كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه ، وأنّى له ذلك » « 1 » .

--> ( 1 ) انظر مناهل العرفان للزرقاني ، ج 1 ، ص 374 .