محمد فاروق النبهان

139

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

ومن العبث إثارة شبهات حول القرآن ، ومحاولة الرد عليها ، لأن ذلك مما أصبح متجاوزا ، وليست هناك فائدة من إثارة تلك الشبهات التي رد عليها العلماء ردّا موضوعيا بالأدلة العلمية ، ومن حق المسلم أن يرفض كل جديد فيما يتعلق بالجدل المرتبط بقطعية القرآن ، ولا وسيلة لإرضاء خصوم القرآن إلا بعد التسليم بكل ما يثيرونه من شبهات ، وهذا مطلب يأباه المسلم ويرفضه ، ويجب أن تقتصر الدراسات القرآنية على بيان تاريخ القرآن ، ومراحل جمعه وتوثيقه ، وأن ينصرف الاهتمام إلى ما يساعد الباحثين على معرفة جوانب الإعجاز في القرآن واكتشاف الجديد من معانيه وحكمه وأحكامه ، وهذا باب كبير وعالم فسيح ولا نهاية له ، لأن التفسير القرآني متواصل ومتجدد مع تجدد الخطاب القرآني ، والبشر متكافئون في قدراتهم الذهنية ، والأجيال مطالبة بأن تسهم في خدمة القرآن وفي استنباط أحكامه وحكمه . مناسبة الآيات والسور : المناسبة في اللغة المقاربة ، يقال : فلان يناسب فلانا أي يقرب منه ويشاكله ، ومنه النسيب وهو القريب ، ومنه المناسبة في العلة في باب القياس ، والعقول البشرية تدرك أهمية المناسبة بين الأشياء المتجاورة والمتجانسة ، ولا يمكن إغفال أهمية التقارب بين الأشياء ، فهناك على وجه التأكيد علاقات بين الأضداد والنظائر ، وأحيانا تدرك تلك العلاقات إذا قام دليل يؤكدها أو يشير إليها ، وأحيانا لا تدرك تلك العلاقات ، لخفائها أو لعجز العقل عن إدراكها ، والعقول البشرية ليست متساوية في إمكاناتها ، فما يمكن إدراكه لدى البعض لا يمكن إدراكه لدى البعض الآخر ، للتفاوت في القدرات . ومن هذا المنطلق حاول بعض العلماء البحث عن أوجه المناسبة بين الآيات والسور ، من حيث التجاور والتتابع ، أو من حيث تسمية أسماء السور ، والمناسبة ليست أمرا محددا ، ولهذا تحتاج إلى قدرة وبديهة وحسن تأمل . وأشاد بعض علماء القرآن والتفسير بأهمية التناسب بين الآيات ، واعتبروا ذلك علما مستقلا جديرا بالعناية والتأمل « 1 » .

--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 1 ، ص 35 .