محمد فاروق النبهان
129
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
ومن أثبت السجع في القرآن ، فإنه لم يعتبر أن السجع عيب في القرآن ، وبخاصة إذا كان ذلك السجع خاليا من تكلف أو تصنع ، ولا يمكن لسجع القرآن إلا أن يكون في أعلى درجات الفصاحة ، والنهي مقتصر على سجع الكهان ، لما يتصف به ذلك السجع من زيف وباطل . ولذلك فإن الخلاف ظاهري ، وهو خلاف مصطلح وتسمية ، ولا يترتب عليه أي أثر ، ولا شك أن أسلوب القرآن متميز ، ولو وقع الالتزام بالمصطلحات القرآنية لكان أفضل ، ولابتعدنا عن كثير من المزالق ، فالفاصلة القرآنية ذات خصوصيات أسلوبية ، وذات صيغ متعددة ، وذات تعبيرات إعجازية قد تدلك بدرجات متفاوتة ، فما يدركه البعض من مظاهر الإعجاز والجمال قد لا يدركه البعض الآخر . ولا شك أن القرآن راعى المناسبة بين الفواصل ، وهو أمر مألوف في اللغة ، ومحمود في الأسلوب ، ومؤثر في جمال العبارة ، وقال شمس الدين بن الصائغ المعروف بابن أبي الفرس المتوفى سنة 776 ه ، في كتابه « إحكام الرأي من أحكام الآي » : بأن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول ، وتتبع ذلك في القرآن ، وعثر على أكثر من أربعين حكما ، نورد منها أمثلة « 1 » : 1 - زيادة حرف كإلحاق الألف في قوله : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ، وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . 2 - حذف همزة أو حرف كقوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ . 3 - تأخير ما أصله أن يقدم : كقوله تعالى : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ، وقوله : وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ فأخر الفاعل لأجل الفاصلة . 4 - إفراد ما أصله أن يجمع ، كقوله تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ والأصل « الأنهار » .
--> ( 1 ) انظر البرهان ، ج 1 ، ص 6 - 70 .