محمد فاروق النبهان

110

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

الحقيقة الرابعة : لم يكن القرآن مجموعا في مصحف وفق ترتيب واحد ، وكان كتاب الوحي يحتفظون بما كتبوه ، بحيث يسهل على من أراد جمع القرآن أن يقوم بذلك ، والسبب في عدم الجمع هو استمرار نزول الوحي حتى الأيام الأخيرة من حياته صلى اللّه عليه وسلم ، ولم تكن الحاجة ملحة لجمع القرآن ، لوضوح نصوصه محفوظة في الصدور ، ولثبوت نصوصه مدونة في الرقاع لدى كتاب الوحي ولدى غيرهم ممن كان يحرص على كتابة القرآن . الحقيقة الخامسة : لا مجال للشك في ثبوت النصوص القرآنية ، وما قام به أبو بكر فيما بعد لا يتعدى حدود الجمع ، وتوثيق ذلك الجمع والاطمئنان إلى سلامة النص القرآني ، ومطابقة النصوص المكتوبة بما هو محفوظ في صدور القراء الذين اشتهروا بالحفظ والدقة . المرحلة الثانية : الجمع في عهد أبي بكر : بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم توقف الوحي ، واستقرت نصوص القرآن ، فلم يعد ينسخ منها شيء ، ولا يضاف إليها جديد ، وتولى أبو بكر الخلافة ، واتجهت أنظار الصحابة إلى حفظ القرآن وجمعه في مصحف موحد ، خشية أن يضيع منه شيء أو يضاف إليه ما ليس منه ، إذا وقع التقاعس في جمعه في وقت مبكر ، وبخاصة بعد معالم فتنة تبدو في الأفق ، متمثلة في حركة الردة التي هزت المجتمع الإسلامي الوليد ، وأيقظته على واقع جديد مليء بالتحديات والمواجهات . وفي معركة اليمامة استشهد عدد كبير من حفظة القرآن ، وصل عددهم إلى سبعين صحابيا ، وبعضهم قال أكثر من ذلك ، وخشي عمر بن الخطاب - وكان رجل دولة بعيد النظر واسع الرؤية قوي الحجة شجاعا في قراراته ، غيورا على الإسلام - أن يضيع بعض القرآن أو يلتبس الأمر على المسلمين في شأن بعض آياته بعد موت الكثير من الحفاظ ، فعرض الأمر على أبي بكر ، وتردد الخليفة في قبول ذلك ، خشية أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد تردد شرح اللّه صدره لذلك .