محمد فاروق النبهان

106

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

وكانت مجالس الصحابة هي مجالس قرآن ، يتدارسون القرآن ، ويحفظونه ، فهو بالنسبة إليهم كل شيء ، ولا شيء غيره في حياتهم ، يخاطبهم ويعلمهم ، وكانت الأنظار ترقب نزوله ، وسرعان ما تنطلق الحناجر بشغف وحب تردد الآيات الجديدة وتحفظها ، حتى أصبحت المساجد تضج بأصوات الصحابة وهم يقرءون القرآن . روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار » . وروى البخاري ومسلم أن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اقرأ عليّ القرآن ، قلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك وعليك أنزل ، قال : إني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية ، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، قال : حسبك الآن ، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان . وكان إذا هاجر رجل دفعه النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى رجل من الصحابة يعلّمه القرآن ، وكان يسمع لمسجد رسول اللّه ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا . وقال ابن الجزري صاحب كتاب النشر في القراءات العشر المتوفى سنة 533 ه : « ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب ، وهذه أشرف خصيصة من اللّه تعالى لهذه الأمة » « 1 » . وهذا يؤكد لنا أن الأساس في حفظ القرآن هو حفظه في الصدور ، وبخاصة أن معظم الصحابة كانوا أميين لا يقرءون ولا يكتبون ، وليس من اليسير عليهم أن يكتبوا القرآن ، واعتمدوا على الحفظ في الصدور ، وتكرار ذلك ، حتى أصبحت آيات القرآن في صدر كل صحابي محفوظة يستشهد بها في كل مناسبة ويقرؤها في كل صلاة .

--> ( 1 ) النشر ، ج 1 ، ص 6 .