محمد فاروق النبهان

101

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

فدثروني ، فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ . وأجاب أصحاب القول الأول عن هذا الحديث بنفي التعارض بين القولين ، وأكدوا بأن صدر سورة « اقرأ » هي أول ما نزل ، وإن سورة المدثر هي أول سورة نزلت كاملة ، وفيها تكليف ببدء الدعوة ، ونزلت بعد آيات القراءة ، والقراءة أولا ، والتكليف ثانيا ، والأولوية ليست أولية مطلقة ، فهناك الوحي وهناك بدء الرسالة والتكليف ، وقال ابن حجر : إن المراد أول ما نزل بسبب متقدم وهو التدثر الناشئ عن الرعب ، بخلاف اقرأ فنزلت ابتداء . . . وقال الكرماني : قال جابر بن عبد اللّه ذلك باجتهاده ، وليس هو من روايته ، فيقدم عليه ما روته عائشة ، ومع هذا فلا يمكن أن يجهل « جابر » أولوية سورة « اقرأ » ، والأمر ليس اجتهادا ، وإنما هو نقل ورواية ، وهي بيان عن نزول سورة المدثر ، وهي واضحة في الدلالة على أنها من أول ما نزل من آيات التكليف والدعوة ولا تعارض أولوية سورة « اقرأ » كبدء للوحي ، ويؤكد هذا لفظة « فإذا هو » في حديث جابر ، وكأن الرسول سبق أن رآه عندما نزل عليه يأمره بالقراءة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . القول الثالث : أول ما نزل من القرآن « سورة الفاتحة » واستدل من قال بهذا القول بما أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لخديجة : « إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء ، فقد واللّه خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت : معاذ اللّه ، ما كان اللّه ليفعل بك ، فو اللّه إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له ، وقالت : اذهب مع محمد إلى ورقة ، فانطلقا فقصا عليه ، فقال : لا تفعل إذا أتاك ، فاثبت حتى تسمع ما يقول ، ثم ائتني فأخبرني ، فلما خلا ناداه ، يا محمد قال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ وهو مرسل رجاله ثقات . قال البيهقي : إن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقرأ والمدثر .