محمد حسين علي الصغير

91

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

وثاقة الرواة والاختلاق ، وغزت العزلة المسلمين فقنعوا بترهات الحياة عن الواقع ، ولجأوا بالابتعاد عن الناس إلى الفرار فتذرعوا بتفسير الباطن وحجب الظواهر والتعلق بالتأويل الاشاري حينا ، والصوفي حينا آخر بما لم ينزل اللّه به من سلطان . وأناخت فلسفة المتكلمين بكلكلها وحطت مذاهب الاحتجاج بثقلها ، فتعصب كل لقضيته ، ونصر كل كلامي مذهبه فتشتّتت الحقائق بيد النزعات . وخلد قوم إلى الفلسفة القديمة ، ونزع آخرون إلى الفلسفة الحديثة فاخضعوا القرآن مجتمعين للتطبيق العملي على الرياضيات المفترضة فتأولوا كثيرا من مسلمات القرآن كالحياة بعد الموت والبعث والنشور والجنة والنار وحدوث السماوات والأرض تأويلا يلائم عناصر الفلك ، وحساب النجوم ، وتعدد البروج ، بينما تابعهم آخرون بتأثير من الثقافة الغربية فبنوا آراءهم على الحس والتجربة والمعادلات الفيزياوية ، وأولوا كل المظاهر القرآنية التي تتنافى مع هذا المنهج ، فلزم من ذلك عزل الجانب الروحي في القرآن ، وتسويغ الجانب المادي المحض ، وهي أحكام فجة تتجافى مع طبيعة القرآن التشريعية ، في حين جمد في قبالهم أهل التجسيم فطبعوا ظاهر الآيات بطابع الامر الواقع ، فقالوا باليد حقيقة ، وبالعين جارحة ، وبالعرش تجسيدا ، وبالكرسي مكانا ، وباللوح كتابة وبالمجيء ذاتا ، وبتجليه سبحانه زمانا ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، إلى جانب هذا كله تجد تخصص الفقهاء في الأحكام الشرعية يملي عليهم استبعاد الجانب الفني ، والروح الاعجازي في القرآن ، كما تجد تخصص النحاة منصبا حول شواخص الاعراب ، ومواقع الجمل وهكذا . وبملاحظة هذه الجوانب ، وتأمل هذه المسالك تجد أن هذه المناهج إلا ما عصم اللّه - مشتركة في تحميل القرآن الكريم كل « ما أنتجته الأبحاث العلمية أو الفلسفية من خارج مداليل الآيات ، فتبدل به التفسير تطبيقا ، وتسمى به التطبيق تفسيرا » « 1 » . ومع هذه الملاحظة التي جعلت من التفسير شيئا خارجا عن حدود التفسير الاصطلاحية حينا والموضوعية حينا آخر ، إلا أننا نجد في ذلك

--> ( 1 ) محمد حسين الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 1 / 6 .