محمد حسين علي الصغير
6
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
ذائقة وأسلوب ، فإنه لا يستطيع أن يسبر ما في أغوار القرآن من عمق ، وما في بيانه من بلاغة ، لأنه خلاصة تعاليم السماء ، ومعيار أصيل من معايير الاعجاز في الفن القولي ، جمع الحسن الاستعاري إلى جانب البعد الحقيقي ، والمجال التشبيهي في مقام الحكم التشريعي ، والصيغة التحذيرية في سلك الفن القصصي ، والرحلة إلى السماء في عوالم ما وراء الطبيعة ، وفلسفة الحياة في بدايات الموت . . . فيه اللغة والتأريخ والفلسفة والأدب والبلاغة والعقيدة والهداية والتشريع ، وهي تخصصات متعددة تحتاج إلى تخصصيين متعددين ، ولكن المفسرين بخلاف ذلك ، فالبلاغي يخوض في الفلسفة ، والأديب في الاحتجاج ، والمتكلم في علوم القرآن ، والمؤرخ في العلم الحديث ، والمحدث في السماء والعالم . . وهكذا . . . وأنت تقف حائرا بين هذا الخليط العجيب ، وإذا بك أمام روايات وإسرائيليات لم تثبت تأريخيا ، ولا تصدق تشريعيا ، ولا تتواكب فنيا ، إلا أن المفسرين حشروها حشرا حتى عادت جزءا من عملية التفسير عند بعضهم وهي ليست منه ، وإمتزجت الفلسفة بعلم الكلام فقدمت نموذجا عجيبا من التفسير ، فيه كل شيء إلا التفسير ، وتداعى العلم الصناعي ليحتصنه بعض المحللين وقدموه مادة خصبة بين يدي التفسير ، وكأن القرآن كتاب تكنلوجيا لا كتاب هداية وتشريع ، وهذا وذاك عقبات ومؤشارت : عقبات في طريق البحث الموضوعي لأنفراده في تخصصه ، إذ ليس له استيعاب علوم عدة دون التزام بآلة من تلك العلوم ، ومؤشرات بالخطر لو أخذ المفسر بهذا الاتجاه أو ذاك دون تمحيص ، فخبط خبط عشواء . إن تفسير أي نص يأخذ أهميته من النص نفسه ، ولما كان النص القرآني من أعظم النصوص التي تشتمل على أبرز المعارف الانسانية ، وأغلب معالم الحضارة البشرية ، فإن تفسيره تفسيرا رائدا ذو أهمية بالغة في حياة النصوص الأدبية ، لهذا كان ما قدمناه في هذه الدراسة بعنوان ( المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق ) يتناسب مع هذه الأهمية روحا ومضمونا ، وكان ما أثبتناه من آراء ، وما رجحناه من وجوه ، وما ناقشناه من اجتهادات ، وما عرضناه من تفسير موضوعي وتسلسلي ، وما اقترحناه من أساليب ، يتواكب مع مذهبنا في التجديد والتطوير لعملية