محمد حسين علي الصغير
57
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
ومنه ما يسع الناس جهله فيرد أمره إلى اللّه والراسخين في العلم كالحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية . 10 - ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسنة ، كاللاتي يأتين الفاحشة ، فالقرآن يقول : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ « 1 » فإنه نسخ بالسنة في رجم الزاني والزانية المحصنين . وما حكمه مذكور في السنة منسوخ بالكتاب كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس ، فإنه نسخ بقوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ « 2 » . فهذه جملة من علوم القرآن مما أبانه الإمام علي عليه السلام وهي مما يجب ضبطه والتمرس فيه بعناية وتأمل من قبل مفسر القرآن العظيم . ومما تقدم يبدو لنا مدى حاجة المفسر إلى الدراسات التخصيصية الدقيقة ، والفنون العلمية المتشعبة التي تمهد له الطريق ليكون عمله في التفسير متسما بالدقة ، وجهوده مقاربة للسداد ، فلا تغيب عنه شاردة بالأعراض ، ولا يفرّ منه موروث بالتلكؤ ، لتلتقي عنده اللغة بالأسلوب ، والفكر بالخصائص ، والفن بقرائن الأحوال . وفي هذا الضوء تتحدد مسؤولية المفسر العلمية في ضوء موسوعيته الفنية ، فمن لم تتوافر له الامكانات المتعددة في جملة العلوم الاسلامية والعربية وما هو بإطارها وفي سياقها ، فإقدامه على التفسير عملية انتحارية لا مسوّغ لها فنا ، كما لا مبرّر لها شرعا ، فالعدة والأداة مثلا زمان لتفسير القرآن العظيم ، العدة في العلوم المتعددة ، والأداة في الذائقة الفنية التي تضع التأويل موضعه المناسب دون تجوّز أو تزيّد ، فلا يدخل فيه ما ليس منه إلا ضرورة ، ولا يخرج منه شيء حتى مع الضرورة ، لهذا وسواه فالأمر صعب مستصعب ، وخوضه إقدام جريء ، وقد يقصّر المفسّر حينئذ ، ولكنه مأجور إن عمل بعلمه المتشعب ، واستخدمه بحسب طاقته في التفسير .
--> ( 1 ) النساء : 15 . ( 2 ) البقرة : 144 .